تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعض أشياخي حاول أخذ الخلاف فيما ذكرناه من استحقاق أحد العبدين، ويراه جاريا على القولين المتقدمين.

وكذلك لو تزوج امرأة بمائة دينار، ثم طلقها قبل الدخول وقد كان دفع إليها رهنا بالمائة، فسقط بالطلاق نصفها وهي الخمسون دينارا، فإن الرهن يجري على القولين المذكورين، هل يبقى جميعه رهنا بالخمسين الثانية بعد الطلاق، أو يسقطى نصف الرهن بسقوط نصف الصداق؟

وهذا الذي أجراه على القولين ينبغي، عندي، أن يلتفت إلى الاختلاف المشهور في الصداق: هل وجب كله بالعقد، فيحسن ها هنا بقاء جميع الرهن رهنا بالخمسين الثانية، وإن قلنا: إن نصفه مترقب، ولا يثبت ويستقر إلا بالدخول حسن ها هنا الالتفات إلى الخلاف الذي ذكرناه لاختلاف حكم

الخمسين الأولى والخمسين الثانية كما اختلف الحكم فيمن أسلف مائة بلا رهن، ثم أسلف مائة أخرى وأخذ رهنا بالمائتين، لكون حكم المائتين قد اختلف، وقد قالوا: لو كانت الزوجة أمة، فأخذ السيد صداقها فأكله، ثم أعمقها قبل الدخول بها, ولا مال له، فإن عتقها ماض، وهذا بناء على أن الصداق وجب كله بالعقد، فكان الزوج إنما وجب له الرجوع بنصف الصداق بعد أن نفذ العتق لا يؤثر في العتق. ولو قيل: إن نصفه مترقب لأمكن أن يقال: فإن سقوط نصف الصداق، ووجوب ارتجاعه من السيد يؤثر، إلا أن يقال بأن الزوج لم يكن قادرا على رد العتق حين أوقعه السيد، على كل مذهب، في الصداق هل جميعه مترقب أو نصفه، فإذا لم يكن قادرا على رد العتق حين وقوعه، صار إيقاعه الطلاق مع علمه بذلك كالراضي بإجازة العتق وإتباع ذمة السيد، وهذا يزاد بسطا في موضعه إن شاء الله تعالى. والجواب عن السؤال الثامن (1) أن يقال:

قد تقدم ذكرنا للحديث الذي نهي فيه عن غلق الرهن، وأن مالكا في الموطأ رواه عن ابن شهاب عن ابن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا يغلق الرهن" (2) والمراد بهذا النهي.

وهذا الحديث، وإن كان مرسلا، فقد أسند في غيره بزيادة في لفظه، فقال: عن ابن المسيب عن أبي هريرة وإن تأول هذا الحديث مما تنازع فيه العلماء.

فأما مالك فإنه بسط في موطئه بأن يرهن رجل عبد رجل رهنا في دين يكون له عليه إلى أجل على أن الراهن إن لم يأت بفكاك الرهن ويقضي الدين عند الأجل وإلا كان الرهن يتملكه المرتهن بالدين الذي له على الراهن.

وهذا الذي فسره به لا شك في أن الأصول تقتضي تحريمه لأن المرتهن الذي أخذ الرهن عن دنانير أسلفها أو عن ثمن سلعة باعها بهذا الشرط لا يدري ما الذي يحصل له: هل دينه يعطاه عند حلول الأجل، فيرد الرهن إلى راهنه، أو يتخلف الراهن عن قضاء الدين عند الأجل، ويكون الرهن ملكا للمرتهن وعوض الدين الذي وجب له على الراهن من سلف أو ثمن سلعة لا يدري هل يكون الدين الذي خرج من يده سلفا عند قابضه أو ثمنا للرهن الذي دفعه الراهن، وهذا لاخفاء بتحريمه لما فيه من الغرر، وكون ما دفعه تارة يكون سلفا وتارة يكون بيعا. وفيه معنى آخر من فسخ الدين في الدين لأنه كمن أخذ عن دين سلعة لم يتعجل تملكها وقبضها.

وأما أبو عبيد فإنه ذكر أن فيه تأويلين:

أحدهما أن الجاهلية كانت إذا لم يأت بفكاك الرهن عند أجله يملك الرهن، وهذا أيضا هو تأويل مالك، ولكن جعك هذا الفعل يكون مشترطا، وأبو عبيد جعله عادة في الجاهلية من غير أشتراط.

والتأويل الثاني الذي ذكره أبو عبيد أن المراد أن الدين لا يذهب ولا يتلف الرهن كما قال أبو حنيفة أن الراهن إذا ضاع ذهب الدين، على التفصيل الذي حكيناه عنه فيما سلف.

وقال الشافعي تأويله أن الرهن لا يكون على صفة لا يمكن فكاكه، ولكنهم استشهدوا بقول قائلهم:

وفارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع فأضحى الرهن قد غلقا

والمراد: أن الرهن ذهب بغير بدل، وكذا قلب هذا الشاعر أخذته وذهبت به من غير بدل منه، أو أخذته أخذا لا يمكن انتزاع القلب منها، فأوقع هذا وتسلف رجل من رجل مالا إلى أجل أو اشترى منه سلعة بثمن إلى أجل على أن

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٨٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٨٤٠