تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لوارث دون وارث، فأمضيتم الإقرار إذا تبين ارتفاع التهمة، مثل أن يقر لابن عمه بدين في مرضه الذي مات فيه، وله ولد صغير، فإن هذا لم يختلف المذهب في صحة إقراره، ولو أضر الإقرار بولده (قبل المريض على طرف الحيازة وصار إلى الله سبحانه) (1) وهذه قرينة تدل على ارتفاع التهم، بخلاف الحي الصحيح ولهذا قبل مالك قول الجريح: إن فلانا هو جارحي، لما كان صائريم إلى الآخرة. ولا يتهم في قتل مسلم ظلما بخلاف دعواه في حال الصحة. وأيضا فإن الإقرار بالرهن إقرار بعين قد استحقها الغرماء، وتعلق حقهم فيها، فليس له إبطال ما تعين فيه حقهم، وتعين حقهم فيه عند الفلس قد تأكد حتى صار الغرماء مالكين لعين هذا الذي أقر به الميت مع كون ثبوت الدين في ذمة من أقر بهذا الرهن وإنه حوزه ثبت الدين، ولا يمنع من ثبوته في ذمته إقراره بأنه قد حوز الرهن، بخلاف الوارث الذي لم يثبت له الأصل الذي أقر به.

وقد اختلف قول مالك في إقرار من أحاط الدين بماله، هل يجوز أم لا؟ مع أن في إمضائه إبطال حق من سواه من الغرماء. لكن يضعف التهمة كونه خلف في ذمته دينا يوجب عليه مطالبته لمن (2) أقر له بعد إحاطة الدين بماله. فلو رددناه الآن لم نرده في المستقبل إذا أيسر المقر.

هذا قصارى ما يظهر لي في التفرقة بين هذه الأصول المشهورة.

والجواب عن السؤال السابع (3) أن يقال:

أما الدين إذا أخذ دفعة واحدة على وجه واحد ودفع آخذه رهنا به، فإن

كان (1) جزء من الدين متعلق بجميع أجزاء الرهن، حتى لو تسلف مائة دينار واشترى بها سلعة، ودفع المشتري أو السلف (2) رهنا بهذه المائة دينار، ثم قضى منها تسعة وتسعين دينارا، فإنه لا يمكن من أخذ رهنه ولا من أخذ شيء منه، ولو قل حتى يقضي الدينار الذي بقي عليه.

وكان الأصل يسبق إلى النفس فيه أنه متى قضى جزءا من الدين بطل ما يقابله من الرهن، ولكن المذهب على ما حكيناه. وبعض الأشياخ يرى أنه إنما عدل عن الأصل في هذا العادة جرت، واطراد الأمر في المتراهنين أن الراهن لا يأخذ من رهنه شيئا إلا بعد كمال الدين الذي عليه.

ويمكن عندي أن يلتفت في هذا إلى طريقة أخرى سوى العادة، وهي أن الراهن لو كان كلما قضى من الدين جزءا استرد من الرهن جزءا في مقابلته، لأثر هذا في الحيازة.

أما على القول بأن رهن الجزء المشاع لا يصح مع بقاء يد الراهن على جزء آخر، فإن هذا يؤكد ما حكيناه عن المذهب من كون الراهن يمنع من أخذ شيء من الرهن، لئلا يفسد الحوز، على (3) القول الآخر: إن ذلك لا يفسد الحوز وهو نافذ (4)، يلتفت إلى العادة التي أشار إليها بعض الأشياخ، وإلى المشقة في تبعيض الرهن حينا بعد حين.

وأما لو أخذ الرهن بديون شتى، فإن المشهور من المذهب ما قلنا أيضا من كون الرهن لا يؤخذ منه شيء إلا بعد قضاء جميعها. وقد حكى ابن شعبان أنه يسترد من الرهن بقدر الدين الذي قضى، استمساكا بالأصل الذي أشرنا إليه.

وقد اشتهر في المذهب فيمن أسلف رجلا مائة دينار بغير رهن ثم أسلفه بعد

ذلك مائة أخرى على أن يدفع رهنا بالمائة الثانية والمائة الأولى، فإن ذلك لا يجوز لكونه سلفا جر منفعة، وإنما أسلف المائة الثانية لانتفاعه بأنه تولق في المائة الأولى بالرهن بعد أن كانت بغير رهن. فأما المائة الأولى فتبقى على ما كان (1) عليه بغير رهن, لأنه إنما دفع الرهن بها لمنفعته بالمائة الثانية. فإذا أبطلنا السلف في المائة الثانية ومنعناه لم يصح في المائة الأولى رهنا. لكن اختلف قول اين القاسم في هذا الرهن هل يبقى جميعه رهنا بالمائة الثانية حتى يردها قابضها، أو يفض الرهن على المائتين جميعا، فيبطل نصفه وهو ما قابل

المائة الأولى، ويبقى نصفه رهنا بالمائة الثانية. وهكذا ذكر في المدونة، وذكر في غيرها أن جميع الرهن يبقى رهنا بالمائة الثانية. وهذا الذي اختار ابن المواز في كتابه بعد أن ذكر المذهب الآخر، وأشار إلى أن ذلك كأخذه رهنا بعبدين، فاستحق أحدهما أو رده أحد بعيب فإن جميع العبد (2) يبقر رهنا بالعبد الآخر.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٨٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٨٣٩