وهذا الذي احتج به أصبغ قد يخالف فيه. والخلاف مبني على كون الوكيل ممكنا من عزلة نفسه عن الوكالة، مع غيبة الموكل، وقد قدمنا ما قيل في ذلك، وما وقع فيه من الاضطراب في كتاب الوكالات. ثم يلتفت في هذا إلى أصل آخر، وهو: أن من غصب دارا وسكنها أو اغتلها، فإنه يرد الغلة، في المشهور من المذهب. ولو أبقاها معطلة لم يرد العلة، وقيمة المنافع التي منع ربها منها، في المشهور من المذهب فهذا تحقيق القول في هذا الاختلاف في هذه المسألة.
وقد اضطرب المذهب في إجبار الراهن على استرمام الربع المرهون إذا حدث فيه ما يحتاج إلى الاسترمام والإصلاح، فقال ابن القاسم في العتبية: إن ذلك مما يلزم الراهن، ويجبر عليه إن أباه. وظاهر المدونة: أنه لا يجبر على ذلك إن أباه, لأنه (قد أدى) (1) الراهن من إصلاح البئر إذا تهدمت، وقد ارتهن زرعا أو نخلا، فإن المرتهن إن أنفق في إصلاحها كان له الرجوع بذلك فيما حي بإصلاحه واسترمامه من زرع أو رقاب نخل فيباع له من ذلك مقدرا ما أنفق فيه، وما فضل أخذه من دينه. فكأن من ذهب إلى الجبر على الإصلاح، والقضية بذلك على الراهن فإنه يراه كالإنفاق على العبد, لأنه لو لم ينفق على
عبده المرهون لهلك العبد، وبهلاكه يبطل حق المرتهن في التوثق بدينه، فعلى الراهن إتمام التوثق بالرهن الذي دخل معه المرتهن عليه. وكأن من رأى أنه لا يجبر على ذلك يقول: لو مات العبد المرهون لم يكن على الراهن أن يخلفه، أو يأتي برهن آخر بدله, لأنه إنما التزم رهن عين، فإذا هلكت العين بأمر من الله سبحانه لم يلزمه أن يأتي ببدلها, لأن ذلك لم يلتزمه في أصل عقد الرهن.
وكذلك الاسترمام لما خرم من الربع كأنه تعويض عن بدل عين هلكت من الله سبحانه، وإن حدث بعد عقد الرهن (1) لم يدخل عليه الراهن، بخلاف نفقة العبد فإنه يعلم حين عقد الرهن أنه لابذ لعبده من الإنفاق، فكأنه دخل على التزام ذلك، وكذلك ينبغي لو أرتهن تخلا، وشأنها أن تسقى، ولابد للراهن من سقيها، فإن الراهن يجبر على سقيها كنفقة العبد، بخلاف ما يحدث في الرهن بعوإنعقاد وحيازة المرتهن. والتحقحق في ذلك الالتفات إلى العوائد التي دخل عليها الراهن والمرتهن فيما قارن العقد، وفيما حدث بعده.
وقد وقع في الروايات أن الرهن إذا كان من الأثقال، التي تححاج إلى اختزان لا بد فيه من إجارة، فإن ذلك يلزم الراهن. وكأنه لما قارن العقد الحاجة إليه فكأن الراهن التزمه في حين العقد.
وقد اختلف أيضا في الرهن إذا احتيج إلى بيعه، ولا يتوصل إلى بيعه إلا بإجارة سمسار فقال ابن القاسم: إجارة السمسار على المرتهن. وروى ذلك عنه عيسى وأصبغ، وخالفاه فيما روياه فقالا: بل إجارة السمسار على الراهن.
فكأن ابن القاسبم رأى أن بيع الرهن لمنفعة المرتهن وتناول حقه منه، ولا منفعة فيه للراهن، فكانت أجرة ذلك لمن انتفع. بخدمة السمسار، والذي انتفع به هو المرتهن دون الراهن.
ومن خالفه في ذلك رأى أن على الراهن قضاء الدين الذي عليه، فعليه أن يصير الدين من جنس الدين الذي عليه، ولا ينال ذلك إلا ببيعه، فكان ذلك نيابة
عما يلزمه من قضاء الدين، فكانت أجرة ذلك عليه دون المرتهن.
وكذلك ذكر ابن عبدوس من هذا المعنى، في كتاب تصير المسائل، اختلافا في العبد إذا كان رهنا فأبق، فطلبه من شأنه طلب الأباق بجعل، فأتى به وقد استحق الجعل، فعلى من يكون هذا الجعل؟ فذكر ابن سحنون قال: إن هذا الجعل على المرتهن. فكأنه رأى ما فعله من طلبه وأتى به يختص بمنفعة المرتهن، فجعل إجارة ذلك عليه، كما قلنا في جعل السمسار في أحد القولين.
وذكر عن غير ابن سحنون من أتى بالآبق وهو مستحق لأخذ الجعل عليه، فإن هذا الجعل على الراهن, لأن فيه تثبيت ملك الراهن وعود عين ما ملك إلى يديه إذا قضى الدين الذي عليه.