تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد قررنا أن نفقة العبد على الراهن، كما أن غلته له، ولكن يبقى النظر في وجهين اثنين أحدهما: أن الراهن إذا لم ينفق على هذا العبد، وأنفق عليه المرتهن، هل لكون نفقة المرتهن متعلقة بيمن (1) العبد لا (بدمته الرهن) (2) فيستوفي من عين العبد فإن فضل من ثمن العبد شيء كان ملكا للراهن، فإن قصر ثمن العبد عن الإنفاق لم يرجع على الراهن بشيء. أو يكون الإنفاق متعلقا بذمة الراهن، هذا لا يخلو من قسمين: أحدهما: أن يكون المرتهن إنما أنفق على العبد بأمر الراهن، أو أنفق عليه بغير أمر الراهن ولا إذنه في ذلك.

فإن كان أنفق عليه بأمر الراهن، فإن ذلك يكون في ذمة الراهن يتبعه به المرتهن. ولو هلك الراهن لطلبت ذمته بالنفقة, لأنه لما أمر المرتهن بالإنفاق فكانه تسلف ما أمره بإنفاقه، والسلف متعلق بالذمة.

وأما إن كان الإنفاق من المرتهن بغير إذن الراهن، ففيه قولان: ذهب ابن القاسم إلى أنه يتعلق بذمة الراهن، كما لو كان الإنفاق بأمر الراهن. وذهب

أشهب إلى أنه لا يتعلق بذمة الراهن بل بعين الرهن، قياسا على من أنفق على ضالة وجدها، فإن الإنفاق يكون في عين الضالة تباع فيه، وإن قصر ثمنها على الإنفاق لم يتبع به الراهن (1).

وفرق ابن القاسم بينهما لأجل أن الضالة لم يكن من ربها إذن في الإنفاق ولا فعل يدل على الإذن، فلهذا تعلق الإنفاق بعينها لا بذمة ربها، وأما الرهن فإن الراهن لما دفعه للمرتهن، وقد علم أنه لا بد من النفقة عليه، وهي واجبة عليه دون المرتهن، صار ذلك كالإذن للمرتهن في الإنفاق.

ولو كان رب الرهن غائبا فأنفق علبه المرتهن (فأخذ يتبعه) (2) بالإنفاق.

وقال بعض الأشياخ يتبعه بالإنفاق بالغا ما بلغ. ولو زاد الإنفاق على ثمن الرهن إذا بيع لكان من حق المرتهن أن يطلب بما بقي من الإنفاق.

وخالف في ذلك بعض الأشياخ، ورأى أن لا مطالبة له على الراهن بما زاد من الإنفاق على ثمن الرهن، وكأنه قدر أن من سوء النظر للغائب أن ينفق على عبده أكثر من ثمنه، بل تحسين النظر له أن يدفع إلى القاضي فيبيع العبد لئلا تتعلق بذمة مالكه زيادة على ثمنه. وكأن الراهن إنما أذن له في الإنفاق ما لم يجاوز قيمة العبد.

وأما الكلام على الوجه الثاني وهو كون المنفق أولى بهذا الرهن من غرماء الراهن إن فلس الراهن فإنه قد وقع في المدونة، في هذا الوجه، كلام وقع فيه اضطراب بين الأشياخ. وذلك أنه إذا قال الراهن للمرتهن: أنفق على الرهن، ولم يزد على هذا اللفظ شيئا، فإن المرتهن لكون نفقته في ذمة الراهن، ولا يكون أحق بما فضل عن دينه الذي أحدثه ابراهن من غرماء الراهن.

وإن كان زاد على هذا اللفظ زيادة، وهي التصريح يكون الرهن مرهونا

بالإنفاق، كما هو مرهون بالدين، فقال الراهن للمرتهن: أنفق على الرهن، والرهن رهن بنفقتك، فإنه يكون أحق من غرماء الراهن بجميع الرهن حتى يستوفي دينه، ثم يستوفي نفقته. فما فضل بعد ذلك للغرماء. وكأنه تسلف مالا ينفقه على العبد ودفع العبد به رهنا، أو ما فضل عن الدين الذي أخذ المرتهن الرهن به.

وإن لم تكن الزيادة بهذا اللفظ ولكن قال: انفق على الرهن على أن نفقتك في الرهن، فإنه قال في المدونة، فمن أنفق على الرهن، بأمر الراهن، أن له حبسه بالإنفاق. ولا يكون أحق به من الغرماء إذا قال. أنفق ونفقتك في الرهن إلى (1) أن يقول: أنفق والرهن رهن بنفقتك. وظاهر الكتاب على ما نقلناه: معناه التفرقة بين اللفظين. وذهب ابن شبلون من الأشياخ المتقدمين، إلى التفرقة بين اللفظين، فلا يكون أحق إذا قال: أنفق ونفقتك في الرهن، ويكون أحق إذا قال أنفق والرهن رهن بنفقتك. وإلى هذا مال بعض أشياخي، ورأى أن معنى هذا اللفظ وهو قوله: أنفق ونفقتك في الرهن أن ذلك (2) إمساكه وبيعه لتأخذ إنفاقك من ثمنه، فهو كمن عليه دين فدفع إلى من له الدين سلعة ليبيعها ويقبض من ثمنها. ولو قام الغرماء قبل بيعها لم يكن أحق منهم بثمنها، لأن (دينه من جنس ثمنها لم يضر) (3) في يديه جنس دينه، ولا يكون أحق من الغرماء حتى يصبر في يديه جنس دينه. لكن لو صرح في هذا القسم بأن يقول: ولا يكون الإنفاق دينا في ذمتي، لكان ها هنا أحق من الغرماء, لأن النفقة تعلقت بعين الرهن لا بالذمة.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٨٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٨٣٧