وقد اختلف في قسمة شريكين للدين بعد أن كانا شريكين فيه. وإحداث شركة بعد أن لم تكن أولى بالمنع على ما يقتضيه ما سنبين أصوله في كتاب الشركة.
هذا إذا كان الرهن من رجل واحد، والمرتهن له رجلان. وأما لو كان دافع الرهن رجلين أخذا دينا من رجل واحد فإنه إذا قضى أحدهما ما عليه من الدين أخذ حصته من الرهن، وبقي يحوزها مع المرتهن. وهذا لا يقدح فيه (3)
في صحة الحوز، لكون مالك الرهن لم يرجع إلى يده شيء من رهنه.
وقد ذكر في الموطأ وفي غيره من الدواوين المشهورة في هذه المسألة أن أحد الرجلين إذا قضى ما عليه من الدين فأراد أن يرتجع نصيبه الذي رهنه، وقد كان شريكه في الرهن أنظر الراهن بدينه إلى سنة، فإن ذلك الرهن إن كان مما لا (1) ينقسم قسمة لا ضرر فيها على أحد الشريكين، ولا تعيب الرهن القسمة فإنه يقسم ويأخذ نصيبه منه من ادعى ما عليه ميت الدين. ولو كانت القسمة تنقصه وتعيبه لبيع الرهن كله، فإن تطوع الذي أنظر بدينه إلى سنة أن يسلم نصف ثمن الرهن إلى المرتهن، وهو ما يقابل ما عليه من الدين، فلا مقال في ذلك، وإن امتنع من تسليمه استحلف على أنه لم ينظره، ويؤخره إلى سنة ليبقى الرهن بثقة في حقه. فإذا حلف على ذلك عجل له حقه. وأطلق مالك في الموطأ في هذه المسألة تعجيل هذا الحق. وفصل أشهب الجواب، على حسب ما قدمناه عنه في مسألة من ارتهن فضلة رهن، ودينه يحل قبل دين المرتهن الأول، ورأى أن الحق إنما يعجل إذا كان مكيلا أو موزونا، مثل الدين الذي أخذ به الرهن، إذ لا فائدة في وقفه.
وإما إن بيع الرهن بخلاف جنس الدين فإنه يوقف ثمنه رهنا رجاء أن يحول سوقه.
وذكر ابن القاسم في المستخرجة أن الراهن لو أتى برهن آخر لدفع إليه ما يحبس عليه من ثمن الرهن الذي بيع. وكأنه حمل ما أشار إليه مالك على أن الراهن معسر. وأما إذا كان موسرا، وأتى برهن آخر ليأخذ ما وجب إيقافه من ثمن رهنه الذي بيع، لكان ذلك من حقه. ولو كان الذي لهذين الرجلين اختلف مقداره، فبيع من الرهن حصة الذي وجب له التعجيل فلم يف ثمن المبيع من الرهن كمال دينه، وبقي في يد الآخر الذي انظر ما فيه فضل عن حقه، لوجب بيع ما في يد الآخر الذي انظر بحقه ليأخذ الذي لم يكمل من دينه
تمام دينه. وأما إذا لم تكن فضلة لأتبع من نقص دينه ذمة غريمه بمقدار ما انتقص من دينه.
وهكذا قال ابن القاسم فيمق أخذ رهنا بدين مؤجل ثم طرأ غريم، وفي الرهن فضلة عن حق من هو بيده، لوجب بيع هذا الرهن ليأخذ هذا الغريم الطارئ دينه معجلا من هذه الفضلة، وتعجيل صاحب الدين المؤجل دينه، على حسب ما قدمناه من تعجيل الديون المؤجلة في مثل هذا مما نقلناه عن مالك مطلقا، وعن أشهب وغيره مفصلا.
ولو كان ما ينوب هذا الذي حل دينه من الرهن يربي على ماله من الدين لم يبع من نصيبه من الرهن إلا مقدرا دينه، وما فضل عن ذلك يرجع إلى الراهن, لأن (من حقه قد أخذه بيده) (1) ما يأخذ منه دينه، والذي حقه قد حل يصل إلى حقه من بعض ما ينوبه من الرهن، فبقي ما فضل عن ذلك لا حق فيه لواحد من المرتهنين فيرجع إلى صاحبه على أحد القولين في كون بقاء يد الراهن على بعض ما رهن نصيبا منه لا يبطل الرهن، وعلى القول بإبطاله: يوقف له ليصح الرهن.
ومما ينخرط في هذا الأسلوب المشاركة في الحيازة من جهة الراهن لا من جهة عين الرهن، مثل أن يرهن رجل رهنا على أنه إنما يكون رهنا في سنة، فإذا انقضت خرج عن كونه رهنا. فإن مذفب ابن القاسم بطلان هذا الرهن، وأنه لا يكون رهنا في السنة الأولى ولا فيما بعدها من السنين الأخر. ورأى تغليب أحكام السنة الثانية على الأولى. وهو الأولى وقد شرط في حين دفع الرهن أنها لا لكون رهنا، ومن حكم الرهن أن يتابد بيد قابضه حتى يقضي دينه، وبهذا يصح الحوز.