وظاهر هذه الرواية أنه لا يصح هذا الرهن الثاني، وإن علم به الأول فوضي أن يحوزه له، لقول مالك في صحة هذا الرهن: لأن الأول إنما حاز لنفسه؛ بعد أن قال: لا يصح ذلك إلا أن يحوزه لهذا والآخر غير الأول الذي قبضه لنفسه. لكنه لم يذكره في السؤال الذي أجاب عنه مالك بحوز الموتهن الأول، علم بهذا الرهن الثاني أو لم يعلم به. لكن التعليل يقتضي أنه لا يصح هذا الرهن ولو علم به الأول ورضي بحوزه للثاني. لكن قول ابن مالك (1) عقيب ما نقل عنه: إلا أن يعلم الأول بذلك ويرضى به. كالمشير إلى تأويل قول مالك على كون الأول لم يعلم بالرهن. ولكن تعليل ذلك وظاهر كلامه خلاف ما أشار إليه ابن القاسم. وهكذا حمل بعض أشياخي هذه المسألة على قولين: أحدهما صحة هذا الرهن إذا رضي الأول بهذه الاستدانة الثانية وحاز الفضلة لهذا الثاني. والقول الآخر: إن ذلك لا يصح ولو علم بهذا الأول ورضي بحوزها للثاني. لكنه خرج: إذا لم يعلم بها الثاني ولا رضي بحوزها للثاني، أن هذه الفضلة لكون رهنا للثاني، كما قيل فيمن أخدم عبده لرجل، وحازه هذا الرجل، ثم وهبت رقبته لآخر، فإن هذه الهبة للرقبة تصح، وإن لم يعلم المخدم بهذه الهبة للرقبة، ولا رضي بحيازتها لمن وهبت له. وهذا الذي قيل في هذا
العبد المخدم، وما خرجه بعض أشياخي من كون فضلة الرهن لكون رهنا، وإن لم يعلم الأول بارتهان الثاني لها، مبنى على ما فرغنا منه الآن من كون الرهن لا يصح إلا بالحيازة المحسوسة لقوله تعالى "فرهان مقبوضة" (1) فشرط القبض في صحتها والقبض مشاهد محسوس، فإذا لم يوجد لم يصح الرهن. أو يراعى في صحة (2) ارتفاع يد الواهب عنه، وعلم انتفاعه به، وإن لم يقبضه الموهوب له ولا قبضه المرتهن، كما بسطنا بيانه الآن.
فإذا تقرر حكم هذا القسم وحكم هذه الفضلة المرهونة بدين ثان، فقد قدمنا ذكر الخلاف على الجملة في ضمان هذه الفضلة: هل يضمنها من بيده الرهن الذي أخذه عوضا عما دفعه، أو لا يضمن هذه الفضلة، وأن ابن القاسم يرى أنه لا يضمن من هذا الرهن إلا مقدار دينه وهي الخمسون دينارا، وما فضل عن ذلك فضمانه من ربه, لأن دافع الدين الثاني لم يقبض هذه الفضلة فلا يضمنها وهي في يد المرتهن الأول محبوسة بحق الثاني، فيجري مجرى الأمانة في يده ومجرى ما أوقف على يد عدل، فإن العدل لا يضمنه. وقد احتج أشهب لصحة مذهبه بأنه لو كان هذا الرهن بيد رجل على أنه لا يستحق منه إلا ما فضل عن دين رجل آخر، فإنه لا يضمنه لكونه إنما يستحق الفضلة وهي غير محققة.
وبعض أشياخي يميل إلى أن ابن القاسم قد يخالفه في هذا الذي احتج به، ويجري فيه على أصله في كون ما سوى الفضلة لا يضمنه. وقد قال بعض الأشياخ: إنما يقتصر ابن القاسم على ضمان ما سوى الفضلة خاصة على من بيده الرهن إذا علم أن الرهن موجود حين رهن الراهن للثاني فضلته، وأما إذا لم يعلم وجوده فإنه يضمنه لجواز أن يكون قد تلف ولزمته غرامته قبل أن يرهن الفضلة.
وقد احتج بعض الناس لأشهب إذا قضى الدين الذي كان به رهنا ثم زعم من هو بيده أنه ضاع فإن ذلك لا يقبل منه مراعاة لأصل قبضه لأنه إنما قبضه على الضمان فلا يصدق في دعوى الضياع فيما يغاب عليه أن كان يقضي (1) الدين خرج عن كونه رهنا. وهذا الاستدلال على ابن القاسم فيه نظر, لأنه أخذه على الضمان، ودعوى الضياع بغير بينة لا يقبل منه حتى يرد الرهن على صاحبه, لأن على اليد أن ترد ما أخذت. وكأن أشهب رأى أن هذه الفضلة غير محقق حصولها لهذا الذي دفع الدين الثاني، لكون الرهن، وإن كانت قيمته عند الدفع مائة دينار، وأخذه رهنا بخمسين دفعها، فإنه قد يحول سوقه فلا يساوي حين بيعه إلا مقدار دين الأول وهي الخمشون دينارا، فيصير جميعه محبوسا للأول وجميع ثمنه له كله. وكأن ابن القاسم قدر أن هذه الفضلة، لما كانت عند الارتهان الثاني موجودة، استصحب وجودها, ولم يلتفت إلى ما يمكن أولا يمكن من تقصير ثمنها.