تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وها نحن نتكلم على سبب اختلاف هاتين الروايتين بعد أن يضبط بالتقسيم، فنقول: إذا رهن رجل رهنا قيمته مائة دينار، وأخذ على الرهن نصف قيمته وهي خمسون، ثم أراد أن يتسلف ممن بيده الرهن سلفا آخر، وهو خمسون دينارا بقية قيمة الرهن، فلا يخلو أن يكون الرهن بيد من أعطى السلف (2) وبيد عدل أوقف الرهن بيده.

فإن كان الرهن بيد معطي الدين الأول فقد ذكرنا خلاف فقهاء الأمصار في ذلك، وأن مذهبنا جواز ترادف دين على دين في رهن واحد، وهو يد دافع الدينين.

وإن كان هذا الرهن موقوفا على يد رجل آخر غير معطي الدينين، فقد ذكرنا أن ما أوقف من الرهبان بيد غير المرتهن فإن ضمانه من ربه. ولكن يبقى النظر في هذا الدين الثاني الذي ارتهن فيه فضلة الرهن على الدين الأول، فإن هذا العدل الموقوف الرهن على يده إن رضي بأن يحوز هذا الرهن بالدينين جميعا فإنه يكون رهنا بالدينين جميعا، كما لو كان الرهن في يد دافع الدينين جميعا, لأن يد هذا العدل الموقوف عنده الرهن كيده في باب الحيازة. وإن كان العدل لم يعلم بهذا الثاني، ولا رضي بأن يكون الرهن تحت يده وبحوزه إلا في الخمسين دينارا الأولى فإنه يجري ذلك على القولين، وقد قدمنا ذكرهما وعلتهما حيث قلنا: إن المذهب على قولين في الهبات والبرهان. هل لا يصحان إلا بحيازة محسوسة أو يصحان عند ارتفاع التهمة الموجبة لافتقارهما إلى

الحيازة، وهذه التهمة في كون الواهب إذا وهب ماله في صحته وأبقاه تحت يده ينتفع به إلى أن يموت فيأخذه الموهوب له فإن نفسه لا تسمح بذلك بل (1) يغني غيره ويبقى فقيرا، فيؤدي ذلك إلى منعه من القصد إلى حرمان الوارث ما أوجب الشرع أن يرثه عنه.

وكذلك في الرهبان إذا قال لأحد غرمائه: رهنتك داري وباقيا (2) ساكنا فيها إلى أن أفلس، فلو جعلناها رهنا صحيحا يستبد به من قبل هذه الدار رهن ذلك في دينه، ويختص به دون سائر الغرماء، أدى ذلك إلى إيثاره بماله غريما دون غيره، ولهذا افتقر الرهن إلى الحيازة. فإذا تصور في بعض المسائل ارتفاع هذه التهمة التي لأجلها افتقر الرهن إلى الحيازة، فهل يرتفع الافتقار إليها لعدم العلة الموجبة لها، ويبقى الحكم باقيا وإن ارتفعت علته؟ المذهب على قولين في هاتين المسألتين اللتين ذكرناهما.

وهذا العدل إذا كان إنما حار الرهن في خمسين دينارا إذا وصلت إلى دافعها رد الرهن إلى صاحبه، فسقط كونه رهنا فإن الخمسين الأخرى إذا لم يعلم بها ولم يقصد إلى حيازتها لدافع هذه الخمسين فإن ذلك لا يصح على أحد القولين لعدم القصد إلى الحيازة. وعلى القول الآخر يصح ذلك, لأن هذا الرهن لا يد لصاحبه عليه، ولا انتفاع له به، فلا تتصور فيه التهمة التي ذكرناها في الافتقار إلى الحيازة. هذا بيان أحد القسمين.

وأما القسم الآخر فهو أن يكون الرهن بيد دافع الخمسين الأولى، ولكن الراهن تسلف من رجل آخر خمسين أخرى، وجعل الفضلة الباقية من قيمة الرهن رهنا لهذا الثاني، فإن المشهور من المذهب المنصوص نصا لا إشكال فيه كون هذا الدين الثاني إنما يصح كونه رهنا به بعد أن يصل الأول إلى حقه، بشرط أن يعلم الذي بيده الرهن بهذه الاستدانة الثانية، ويرضى أن يحوز هذه

الفضلة لصاحب هذا الدين الثاني. فإن لم يعلم ذلك ولا رضي به فإنه لا يكون لدافع الدين الثاني في هذا الرهن حق بل يباع الدين الأول إذا وجب قضاؤه له، وما فضل عن دينه يحاص به سائر الغرماء دافع هذه الخمسين الأخرى، ومن سواه من الغرماء. ووقع لمالك في كتاب ابن المواز فيمن رهن رهنا ثم استدان من رجل آخر دينا، وجعل فضلة الرهن رهنا، فقال مالك: لا يصح هذا الرهن الثاني إلا أن يحوزه لهذا الثاني غير الأول. قال: لأن الأول إنما حاز لنفسه. هكذا روى ابن القاسم عنه في الموازية، وقام عقب هذه الرواية عن ابن مالك (1): إلا أن يعلم الأول بذلك ويرضى، بحوزه للثاني.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٨٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٨٢٩