تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومما يلاحظ ما نحن فيه ما ذكره ابن المواز عن مالك، فيمن رهن رهنا وأخذ عليه دينا، وشرط في حين الارتهان أنه مبدأ من قيمته مائة دينار، ثم ادان فوجب بيع الرهن، فقال غرماء الراهن نحن أحق بهذه المائة التي شرط أن يأخذها لنفسه من ثمن الرهن، فإن ذلك لهم. وظاهر كلام مالك في هذا الإطلاق: أنه من بيده الرهن لم يبق بعد هذه المائة دينار ما يأخذ منه جميع دينه، فإن ما بقي من دينه يبقى في ذمة الراهن، ولا يحاص الغرماء بالبقية التي بقيت له, لأن هذا الاشتراط لهذه، لمائة يقتضى ألا حق لهذا الذي بيده الرهن في عين الرهن وهو مقدرا ما يقابل المائة، فكذلك لا يكون له حق في هذا الثمن.

وهذا مما ينبغي أن ينظر فيه، وما قصد من بيده الرهن بهذا الاشتراط هل أسقط حقه في هذه المائة ألا يأخذ دينه منها على حال، وإنما (2) أسقط حقه منها

في حال دون حال، وعلى وجه دون وجه.

وفي العتبية لان القاسم أن هذا الرهن لا يصح، وكأنه يشير إلى أن هذه الفضلة بعد المائة دينار إذا لم تكن مقدرة ولا متيقنا وجودها عند بيع الرهن، وكأنه لم يحز رهنا لنفسه على حال. وهذا الذي عللناها به فلا يضمن هذا الرهن على كلام ابن القاسم، وأما على قول مالك: إن الراهن يبدأ بهذه المائة، فإن هذه الفضلة تجري على الخلاف الذي قدمناه بين ابن القاسم وأشهب. لكن هذا الشرط لما كان مشترطا في أصل دفع الرهن حسن أن يقول ابن القاسم: إنه لا يصح، وحسن أن يظن به أنه يقول: إنه لا يضمن أيضا.

بخلاف إرتهان فضلة الرهن بعد أن أخذه من هو بيده على أن جميعه رهنا في حقه. وما حدث بعد العقود بخلاف ما قارنها. وهذا مما ينبغي إن يتأمل أن كان المراد بالرواية أن ذلك وقع في عقد واحد واشترط حين دفع الرهن.

وإذا وضح صح القول في ارتهان فضلة الرهن إذا كان الرهن بيد مرتهنه أولا. فينبغي أن تعلم أنه إذا كان بيد غير مرتهنه بل وقف على يد عدل فاستدان الرافن عليه دينا، وجعل ما فضل من قيمته عن دين المرتهن الأول رهنا بيد العدل لهذا الرجل الثاني، فإن اشترط (1) علم العدل الموقوف بيده الرهن، ورضاه بأن يحوز هذه الفضلة للمرتهن الثاني لا بد منه، في المنصوص المشهور من المذهب، فيتخرج على أن الرهن يصح وإن لم يحز إذا ارتفعت التهمة، وحيل بينه وبينه، ألا يشترط علم العدل بهذا الارتهان الثاني لكون الراهن قد حيل بينه وبين الرهن، وقد قدمنا ذلك. وقد رأيت لسحنون أنه لا يفتقر إلى علم من بيده الرهن في ارتهان فضلته من رجل آخر، قال: لأنه لا يعلم في هذا الارتهان الذي هو مقصور على ما فضل عنه.

وظاهر كلامه أنه ذكر ذلك ولو كان ارتهان هذه الفضلة في رهن بيد المرتهن الأول ووجد ذلك مما قدمناه.

هذا حكم الافتقار إلى رضي العدل الموقوف بيد (1) الرهن.

وأما اعتبار رضي المرتهن الأول فقد ذكرنا عن سحنون ما يدل على أنه يعتبر رضاه، وبيناه ومهدناه. وهكذا حكى ابن حبيب عن أصبغ أنه يعتبر رضي المرتهن الأول وأطلق هذا القول، ولم يفرق فيه بين كون هذا الرهن الذي ارتهنت فضلته بيد عدل أو بيد المرتهن الأول. وذكر أصبغ عن مالك أنه يخالف هذا, ولا يعتبر اشتراط رضي المرتهن الأول بأنه لا ضرر عليه في هذا الارتهان الثاني إذا كان إنما يؤخذ ما فضل عن دينه.

وهذا قاله أصبغ، ونفي الضرر عن الأول يتضح تصوره إذا كان أجل دين الأول وأجل دين الثاني الذي نقلت الفضلة رهنا له يستويان حتى يكون دعوى الغريمين الأول والثاني إلى بيع الرهن ليقضى من ثمنه دينهما سواء، ولا يقدر أحدهما أن يدعو إلى بيعه قبل أجل الآخر، أو يكون المرتهن الأول أجل دينه يحل قبل أن يحل دين المرتهن للفضلة ليكون قادرا على ادعاء (2) إلى بيع الرهن ليأخذ منه دينه كله. وأما لو كان دين المرتهن الثاني الذي ارتهن الفضلة يحل قبل أجل دين المرتهن الأول فها هنا قد يحصور ضرر يلحق المرتهن الأول إذا بيع الرهن للثاني، ولم يكن (3) المرتهن الأول من أخذ دينه من عين الرهن ولا من ثمنه، وقد يكون ثمنه وإن وقف له لا يومن له عليه الضياع، ويؤمن على الرهن نفسه إذا لم يبع. ففي هذا الوضع يتصور الضرر. ولكن (يحتج إلى ذكر) (4) الحاكم إذا دعا مرتهن الفضلة على البيع. وقد ذكر مالك في كتاب ابن المواز، لما سئل عن رجل أخذ رهنا من رجل بدين له عليه يحل إلى ستة أشهر، ثم اشترى سلعة من رجل آخر بدين يحل إلى شهر، ورهن هذا الآخر

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٨٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٨٣١