تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما طريق الاعتبار فإنها إنما تجري بين مذهب الشافعي الذي نفى ضمان الراهن على الإطلاق، ومذهب أبي حنيفة الذي أثبت الضمان فيها على الإطلاق. وأما نحن فإنا إن جررنا أقيسة في إثبات الضمان نوقضنا بقولنا، فيما لا يغب عليه: إنه غير مضمون. وإن نفينا الضمان نوقضنا بقولنا، فيما يغاب عليه،: إنه مضمون. والأولى بنا أن تقصر (1) على الآثار, ونبني ما تعارض منها على أن ما ظاهره نفي الضمان محمول على ما لا يغاب عليه، وما ظاهره إثبات الضمان محمول على ما يغاب عليه، على حسب ما قدمنا بيانه في طريق البناء. وإلى هذا أشار ابن القصار, ورأى اعتمادنا على هذا في نص المذهب علي بن اء الآثار من الاستناد إلى طريق الاعتبار لما قدمناه في طريق الاعتبار يجب أن تقدم لك فيها مقدمة تعلم منها منشأ الخلاف في الرهبان والعوادي والصناع وغير ذلك مما يشكل حكم الضمان فيه مما اختلف الناس فيه.

فاعلم أن من أودع وديعة فادعى المودع الذي هي في يده ضياعها، فإن الاتفاق حاصل على أنها غير مضمونة إذا ثبت ضياعها، والقول قوله في الضياع، على خلاف في تحليفه على صدقه في قوله، كما حصل الاتفاق على أن من تسلف من رجل سلفصا فإنه إن ضاع في يده فقل (2) قبضه فإنه ضامن له.

فلما رأينا في المسألة (3) على سقوط الضمان، وإجماعا في أخرى على ثبوت الضمان، وجب أن يتطلب علة في كل واحد من هذين الأصلين. ولا يمكن التعليل في نفي ضمان الوديعة إلا بكونها لم ينتقل ملك ربها عنها, ولا في قبض قابضها له منفعة، فكأن يد قابض الوديعة يد مودعها، والإنسان إذا ضاع ماله وهو في يده لم يخف أن لا يتبع به أحدا.

وأما القرض فإن هلك (1) القرض لا منفعة فيه للمقرض، بل يحرم عليه أن يسلف لمنفعة تختص به، وكون الإنسان يضيع ملكه الذي في يديه فإنه لا خفاء يكون ضمانه عليه.

فإذا تقرر حكم هذين الأصلين وعلتهما، فاعلم أن العلة العقلية لا تكون مركبة باتفاق، والعلة الشرعية يصح أن تكون مركبة. وقد قلنا: إن علة سقوط الضمان في الوديعة تركبا (2) من وصفين: أحدهما: كون ملك المودع لم ينتقل وكون حوز الحائز، لها، منفعة لرب المالك يحرسه ولا منفعة له في ذلك.

وكذلك القرض انتقل الملك والمنفعة لمن انتقل الملك إليه وذلك أيضا مركب من وصفين. فنظرنا بعد ذلك إلى الرهن فوجدنا ملك الراهن ولم ينتقل، فأشبه الرهن بهذا الوصف الواحد الوديعة. وأما الوصف الآخر في الوديعة فهو كون المنفعة للقابض، فإنه ها هنا مشكل، وذلك أنا لا نقدر أن نصمم على أن لا منفعة للمرتهن في قبضه الرهن، كما نقول في الوديعة, لأنه لا شك أنه قبضه لمنفعة نفسه، وهي الاستيثاق بحقه لئلا يتلف بفلس من هو عليه. وكذلك أيضا نقول: لا يمكن أن نصمم على أن الراهق لا منفعة له في الرهن لأنه لولاه ما عومل بهذا الرهن عليه، فإذا أشكل الأمر فقصارى ما يقال فيه: إن أحد الوصيفين أشبه الوديعة شبها محققا، وهو كون الملك لم ينتقل في الرهن ولا في الوديعة، وأما الوصف الآخر ففيه بعض الاشتراك.

فيقول الشافعي: رد هذا الفرع إلى أصل أشبه الفرع في أحد وصفي العلة شبها كليا، وفي الوصف الآخر شبها مشتركا، فلا شك أن الشبه بوصف واحد وشطر الآخر أولى من رد الفرع بالشبه في شطر أحد وصفي العلة.

ويقول أبو حنيفة: إن العلة إذا ركبت من وصفين لو انفرد كل واحد منهما ما أثار الحكم، فإنهما إذا اجتمعا ينبغي أن ينظر الأقوى منهما في إثارة

الحكم، فيغلب على الوصف الآخر، والمغلب ها هنا كون القبض لمنفعة القابض، وهو المرتهن, لأنه طول أيام إمساك الرهن يختص بهذه المنفعة وهي حبسه عن ربه حتى يفتمنه، أو يبيعه وأخذ (1) ثمنه في دينه. فوجب بهذا التغليب الذي هو أقوى في إثارة الحكم أن يجب الضمان على المرتهن لكونه أشد منفعة من الراهن. وعلى هذا الأسلوب ينبغى أن ينظر في ضمان العوادي والبرهان، كما سننبه عليه في موضعه إن شاء الله تعالى.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٨١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٨١٨