وقد أشار بعد أصحابنا إلى الالتفات إلى هذا الطريق من الاعتبار، فقال: قد علم أن الودائع لا تضمن، والاقتراض والتعدي يوجب الضمان، والرهان ما أشبهت شبها كليا الودائع، ولا أشبهت شبها. كليا الاقتراض، فيجب أن يكون لها حكم بين حكمين، وما ذاك إلا ما ذهبنا إليه من كون ما يغاب عليه يضمن، وما لا يغاب عليه لا يضمن. فتحصل بهذه التفرقة عدم إلحاقه بأحد الأصلين إلحاقا كليا.
وهذا الطريق إذا عرضت (2) علي التحقيق في أصول الفقه ضعفت (2)، فالأولى التمسك في مذهبنا بما قدمناه.
وقد رجح أصحاب الشافعي مذهبهم بأن الحق إذا كان له محلان لم يسقط الحق ويتلف بتلف أخذ (3) المحلين، كدين على رجل أعطى به ضمينا، فإن موت الضمين وهو أخذ (3) المحلين لا يسقط. وكذلك يجب أن يكون الرهن (4) ذهاب الرهن، وهو أحد المحلين، لا يكون ذهابه مسقطا للدين، وإنما يسقط الدين إن كان له محل واحد كالعبد إذا جنى ثم مات فإن حق الجناية قد سقط لسقوط محلها وهو العبد.
وهذا الذي قالوه لا يسلم لهم فيه التشبيه, لأن الضمين يحل محل المضمون، وكل واحد من المحلين إذا ذهب بقي المحل الآخر، تكون الحق غير معين في الضمان، وإنما هو متردد بين ذمتين إن تعذر الأخذ من أحدهما توجه علي (1)، والرهن مال الراهن، والدين في ذمته، والدين تعلق بعين الرهن، فكأنه بعض ذمة الراهن، وسقوط بعض ذمته لا يسقط عن البعض الآخر المطالبة بالدين.
ومما يدن (2) النظر فيه في الترجيح بين المذهبين المتقدمين أن أصحاب الشافعي يقولون: إن الدين في الذمة، والرهن إنما أخذ زيادة في تأكيده، ونفيا لرهن الدين ومما (3) يجوز من تلفه. فإذا قضينا بأن الرهن مضمون وأنه إذا ضاع سقط الدين صار مرهنا (4) للدين ومضعفا له، وأصلح أن يكون مؤكدا للدين ونافيا للرهن (4) عنه والضعف. والقياس إذا أدى إلى عكس الموضوع، ومضادة الأصل بطل الفرع المؤدي إلى نقض أصله.
ويقول أصحاب أبي حنيفة: (من القرض) (5) من الرهن استيفاء الحق منه، ولهذا أخذ، ومن استوفى دينه فقد ضمن ما استوفاه. ولو بطل أصل الدين لكان ضمانا لما أخذ. فإذا تقرر أن المقصود منه استيفاء الدين (6) أو من ثمنه إن لم يكن الرهن من جنس الدين، يقتضي هذا كون الرهن مضمونا لأنه إنما أخذ لاستيفاء الدين منه، وضمانه يقرب من استيفاء الدين، وكل ما قرب من المقصود حكم له بحكم ما قرب منه.
هذه طرق الترجيح بين المذهبين، وأما نحن فقد كنا قدمنا أن مالكا رضي الله عنه اختلف قوله في ضمان ما يغاب عليه إذا قامت البينة على ضياعه، فإن قلنا برواية ابن القاسم عنه: أن الضمان يسقط بقيام البينه، أشعر ذلك بأن أصله كأصل الشافعي في نفي الضمان، وإنما ضمن ما يغاب عليه للتهمة بإخفائه، وكون المرتهن لا يمكن أن يظهر صدقه من كذبه، والذي لا يغاب عليه بعيد كذبه فيه لأنه قد يظهر كذبه فيه يأتي العبد حيا، الذي زعم أنه مات، فكأنه نحا نحو الشافعي، لكنه ضمن في مواضع التهمة، ورأى في ذلك المصلحة كما يضمن الصناع لأجل المصلحة. وكثيرا ما يلتفت رضي أدله عنه إلى النظر في المصالح وحماية الذرائع وأنزل التهمة منزل اليقين في مواضع قد علمت.
وأما إن قلنا برواية أشهب عنه: أن الرهن مضمون ولو قامت البينة على ضياعه، فإن الأمر ها هنا مشكل في قاعدة مذهبه، هل يقول (1) أبو حنيفة: إن الأصل الضمان؛ وهذا يقتضي ضمان ما يغاب عليه وإن قامت البينة على ضياعه، لكن طرد هذا اقتضى أن يضمن ما لا يغاب عليه الآن ظهور هلاكه، ولو في الكذب بظهور سلامته، يحل محل البينة) (2). فهذا يجب أن ينظر فيه، وقد ذكرنا إذا ضمنا ما لغاب عليه ضمانه بقيمته غير ملحفتين فيه إلى مقدار الدين زاد على قيمة الرهن أو نقص؟ تكون هذا الرهن مضمونا، ولو تعدى عليه المرتهن فأهلكه لضمن قيمته كما يضمن الغاصب قيمة ما أتلف. وذكرنا عن أبي حنيفة أنه إنما يضمن الأقل من قيمة الرهن أقل (3) من الدين، قال: إنما ضمنت تكون المرتهن كأنه استوفى حقه بالرهن الذي أخذه، فلا يضمن إلا مقدار ما استوفاه.