مذهب مالك وأصحابه أن المضمون قيمة الرهن، كانت قيمة الرهن أكثر من مقدرا الدين الذي أخرج الراهن أو أقل.
وذهب أبو حنيفة إلى أن المضمون الأقل من الأمرين، إما قيمة الرهن، وإما مقدار الدين. وبذلك قال النخعي والثوري. وذهب شريح والحسن البصري إلى أن الرهن يضمن بالدين ولو كان الدين أكثر من قيمة الرهن.
فتلخص من هذا أن من تسلف عشرة دنانير، وأعطى بها رهنا مقداره عشرة دنانير، وضاع الرهن، فإن مالكا وأبا حنيفة وشريحا ومن وافقه متفقون على أن المرتهن يضمن عشرة دنانير. وإن كانت قيمة الرهن تخالف الدين بأن يكون الدين عشرة دنانير والرهن قيمته ثمانية أو بالعكس بأن تكون قيمة الرهن عشرة والدين ثمانية، فعند ممالك أن المضمون في الوجهين قيمة الرهن الثمانية أو العشرة. وعند أبي حنيفة أن المضمون ثمانية على كل حال في الوجهين جميعا.
وعند شريح ومن وافقه أن يستحق دينه الذي هو العشرة ولو كانت قيمة الرهن ثمانية.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
اختلفت ألفاظ الآثار في ضمان الرهبان، فروي عنه عليه السلام أنه قال لا
يغلق الرهن" (1) وروي عنه "الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه" (2)
وروي عنه عليه السلام أنه قال "ذهب الرهن بما فيه" (3) وروي عنه: "أن رجلا رهن فرسا، فنفق الفرس في يد المرتهن، فتحا كلما إلى النبي عليه السلام فقال للمرتهن: "ذهب حقك" (4).
وجميع ما أوردناه من الآثار ليست بالنصوص الصريحة، وسنتكلم فيما بعد على معنى قوله "لا يغلق الرهن" بضم القاف، ولو كان إعرابه يقتضي خبرا والمراد به النهي الذي إعرابه لا يغلق الرهن بكسر القاف لا بضمها تنكسر لالتقاء الساكنين. ولو (5) قال أبو عبيدة: فيه تأويلان:
أحدهما: ما كانت تفعله الجاهلية من أن أجل الدين إذا حل ولم يفك الرهن فإن المرتهن يفك الرهن بدينه.
والثاني: أنه لا يذهب الدين بذهاب الرهن.
وهذا التأويل يحسن لأصحاب الشافعي التعلق به على الجملة، ولنا نحن في الرد على من قال: إن الدين يذهب بذهاب الرهن، كما حكيناه عنهم.
وأما قوله "الرهن من راهنه" فإنه يحتمل أن يراد بقوله "الرهن من راهنه" كما قال الشافعي، ويحتمل أن يريد به: الرهن من راهنه، أنه مال راهنه، حتى يدفع الإشكال في كونه يسقط ملك راهنه عنهما (6) إذا حل الأجل ولم يفتكه. وقد قيل: إنه يحتمل أن يريد أن النفقة على الرهن من مال راهنه، وهذا تأويل فيه تعسف، والأظهر أنه أراد به من راهنه في الضمان لا كونه ملكا
له ولكنه ينفق عليه.
وقوله "غنمه" يعني منافعه "وعليه غرمه" المراد به ضمانه منه إذا تلف. فسمي المصيبة معا هنا والجائحة غرما.
وقد استبعد أيضا هذا التأويل لأنه إنما يسمي الغرم ما غرمه الإنسان لغيره، وأما ما أصيب به في ماله فإنه لا يسمى غرما.
وقيل في تأويله: إن المراد بقوله "له غرمه" أي افتكاكه، (وكأنه استفادة بالفكاك غنم للرهن) (1) بعد أن كان كالخارج من ملك الراهن.
وقوله "وعليه غرمه" يعني غرم الدين الذي يفتكه، فكأن الغنم للراهن بأن يستفيد عين ماله، والغرم على الراهن بأن يدفع ما يفك الرهن به.
وقوله "ذهب الرهن بما فيه" يحتمل أن يريد: ذهبت التوثقة بذهابه، ويحتمل أن يريد ذهب بما فيه أي يضمنه المرتهن حتى يسقط دينه. وقد قيل: إن هذا الحديث مرفوع على شريح وإنما أسنده إسماعيل بن أبي أمية وكان متهما برفع (2) الحديث.
وكذلك قوله في الفرس المرهون الذي قال "ذهب حقك" يحتمل أن يريد ذهب حقك في التوثق بالرهن، فإنك لا تطلب رهنا آخر. وقد أشار بعض أصحابنا إلى من سوانا من أهل المذهب يتعلق بظاهر الحديث وترك ظاهر حديث آخر.
ونحن نبني الأحاديث جميعها فنقول: قوله "الرهن من الراهن" فيما لا يغاب عليه، ألا ترى أنه قال: "له غنمه، والاستغلال إنما يكون في الرباع والحيوان. ونجعل قوله لأذهب بما فيه" على أنه فيما يغاب عليه، فيضمن، وصفة الضمان تعلم من دليل آخر.