قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى ورضي عنه:
وضمان الرهن من مرتهنه إن كان مما يغاب عليه، إلا أن يقوم بهلاكه بينة. وإن كان مما لا يغاب عليه، كالعقار والحيوان، فضمانه من مرتهنه (1) وكذلك إن كان على يد أمين.
قال الفقيه الإمام رحمه الله تعالى ورضي عنه: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة، منها أن يقال:
1 - ما حقيقة المذاهب في ضمان الراهن؟
2 - وما يستدل به على ذلك من طريق الاعتبار (1)؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
اختلف الناس في ضمان الراهن، وما يستدل به على ذلك، على ثلاثة أقوال:
ذهب أبو حنيفة إلى أن ضمان الراهن (2) على الإطلاق، وأي جنس كان، حتى قال: لو كان الرهن دارا فانهدمت من غير سبب المرتهن في ذلك لضمنها.
وقال الشافعي: لا يضمن المرتهن الرهن، قولا على الإطلاق، أي جنس كان، وهو في يد المرتهن كالوديعة.
وقال مالك: إن كان مما يغاب عليهن كالحلي والثياب وما في معنى ذلك من المتملكات، فإنه يضمن، وإن كان مما لا يغاب عليه من المتملكات المرهونة فإنه غير مضمون بل تلفه من راهنه.
هذا هو المعروف من مذهبه.
وقد خرج بعض الأشياخ من المذهب قولا آخر من ضمان الحيوان، فمنهم من خرج ذلك من اختلاف قول مالك في المدونة، فيمن باع عبدا أو (3) احتبسه بالثمن فمات العبد، فقد قال مالك، في أحد قوليه: إن ضمانه من بائعه الذي أمسكه رهنا بالثمن. وهذا يقتضي أنه يرى، في أحد قوليه، ضمان الحيوان في الرهبان.
وبعض أشياخي يرد هذا التخريج، ويرى أن سبب الاختلاف في قوله في ضمان العبد المحبوس بالثمن، ما اشتهر من الخلاف عندنا في ضمان المبيع هل يلزم المشتري بمجر العقد، أو لا يلزمه حتى يمضي بعد العقد من الزمن ما يمكن فيه البائع أن يسلم المبيع، ويمكن مشتويه منه، على حسب ما وقع الاختلاف فيه عندنا في كيال الزيت إذا امتلأ او أهراق عقيب زمن امتلائه من غير أن يمضي بعد ذلك زمن يمكن فيه أن يفرغ في وعاء المشتري، فقد قيل: ضمانه من بائعه، وقيل: من مشتريه.
وبعض الأشياخ يخرج الخلاف في ضمان الحيوان في الرهبان من مسألة ذكرها في المدونة من استعارة أحد الشريكين دابة ليحمل عليها مال الشركة، فذكر الحكم في مشاركة الشريك التي لم يستعرها في غرامة قيمتها إذا تلفت، ولم يقل: إنه لا يضمنها مستعيرها ولا شريكه، تكون العارية كالرهان لا يضمن منها ما لا يغاب عليه. وقد قيل: إن القصد بما جرى في المدونة. بيان حكم ما يلزم الشريك فيما فعله شريكه في مال الشركة، ولم يقصد بذلك بيان حكم الضمان, لأنه يمكن أن يكون قاضي المكان أن يحكم بضمان العارية في الحيوان، فبنى الجواب عما سئل عنه من المشاركة في الغرامة على ثبوت الضمان لوجه ما.
ويستغنى عن هذا التخريج عندي: إن كان القصد إثبات اختلاف في المذهب في ضمان ما لا يغاب عليه من الرهبان بما ذكره القاضي أبو الفرج عن ابن القاسم فيمن ارتهن نصف عبد وقبض العبد كله، فتلف، فقال ابن القاسم: لا يضمن إلا نصفه. والمعروف من المذهب لا يضمن منه شيئا, لأن النصف في يده رهن، والحيوان لا يضمن في الرهبان.
وأما ما يغاب عليه فلا يختلف القول عندنا في ضمان ما يرهنا منه لا تصريحا ولا تخريجا. لكن اختلفت الرواية عن مالك رضي الله عنه في سقوط الضمان فيه إذا قامت بينة بهلاكه، فروى ابن القاسم وغيره عنه أن الضمان يسقط
عن المرتهن. وروى عنه أشهب وابن عبد الحكم أن الضمان لا يسقط عن المرتهن ولو قامت بينة بهلاكه. ظاهر كلام ابن القصار، في نقله هذا الخلاف عن مالك، أنه مقصور على قيام البينة، وكون الراهن غير مصدق لها في ذلك، وأما مجرد تصديق الراهن في تلف الرهن فإنه يسقط الضمان عن المرتهن، وإنما اختلفت الرواية في قيام البينة خاصة في هلاك ما يغاب.
فإذا تقررت هذه المذاهب، مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة في المقدار الذي يضمن اختلف فيه أيضا على ثلاثة أقوال: