فأما القسم الأول، وهو مصيرها خلا من غير علاج من إلقاء، فإنها تطهير ويحل بيعها، والتأدم بها، وتكون كسائر الخلول التي (تصير خمرا) (1). وهذا مما حكى فيه بعض الأئمة إجماع الأمة على ذلك. لكن بعض أصحاب الشافعي اشترط في إباحتها وطهارتها تكون (2) هذا التخليل في خمرة قصد بها في أول عصرها أن تتخذ خلا، حتى لا يكون عاصيا فيما بعد (أنها من إمساكها) (3) لتصير خمرا.
وأما إذا تخللت بعلاج أو بالنقل من هواء إلى هواء أو مكان إلى مكان، من غير أن يلقى فيها شيء، فإن ابن القصار من أصحابنا، ذكر أن لا خلاف في هذه أنها تحل إذا صارت خلا بهذا النوع من العلاج، وتطهر. وذكر ذلك في احتجاجه عن الشافعي، ولعله أراد: لا خلاف بيننا وبينه، وإلا فبعض أصحاب الشافعي أجرى هذا العلاج بها مجرى علاجها بشيء يطرح فيها مما يخفلها في مقتضى العادة كالخل والبورق وما أشبه ذلك، وأن ذلك يجري في بقائها على التحريم مجرى تخللها بشيء يلقى فيها.
وأما إن كان علاجها بشيء يلقى فيها فتخللت، فهذا مما اختلف الناس فيه، فذهب مالك إلى كونها تطهير بذلك، وتحل، وترتفع عنها أحكام الخمرية من حد شاربها وتفسيقه وكره أكلها بعض أصحاب مالك، عبد الملك
وسحنون. وبمثل ما قال مالك قال أبو حنيفة. وذهب الشافعي إلى أنها ترتفع عنها أحكام الخمرية عن (1) التفسيق وحد شاربها، ونجاسة الخمرية. لكنها يبقى فيها حكم نجاسة خل تنجس بما ألقي فيه من بول أو غيره. وهل يسوغ التخليل لها ابتداء أو يحرم؟ حزمه الشافعي وأباحه أبو حنيفة. وأغلى بعض أصحابه في ذلك، حتى رآه مشرعا مندوبا إليه عندهم. وكره مالك رضي الله عنه.
وكأن هذه المسألة كالأصل فيما ذكرناه من الخلاف في تطهيرها وإباحية أكلها واستعمالها.
ويحتج المبيحون لها بهذا العلاج بقوله تعالى ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا﴾ (2) فقيل: إنه النحل وأنه رزق حسن. ويؤكده قوله عليه السلام "نعم الإدام النحل" (3). وهذا الثناء عليه يؤكد كونه رزقا حسنا.
وعم عليه السلام أنواع الخلول، ما تخلل منها، بعد أن كان خمرا، بعلاج أو بغير علاج، أو ما لم يكن قط خمرا. ويجيب أصحاب الشافعي عن هذا بأن ظاهر الآية التنبيه على ما أنعم به علينا مما يتخذه من نفس ثمرات النخيل والأعناب، لا فيما يكون يتخذ منها بواسطة، وهو التخليل بما يلقى.
ويحتج المجيبون (4) لها أيضا بما روى أنه عليه السلام (يحل الدباغ الجلد كما يحل النحل الخمر) فكأنه - صلى الله عليه وسلم - جعل تحليل الخمير بالتخليل كالأصل والدباغ في تخليلها (5) الجلد عند من رأى كون الجلد يطهر بالدباغ كالفرع.
واحتجوا بأن لفعل الآدمي تأثيرا في الاستباحة، ألا ترى أن الشاة إذا ماتت حتف أنفها لم تؤكل، فإذا ذكيت أكلت، فقد صار الموت الذي وقع عن فعل
آدمي يبيع مالم يبعه الموت الذي وقع عن فعل الله سبحانه.
وهذا وإن كان نوعا من الاستدلال فإنه لا يطرد في أصول الشرع، ألا ترى أن موت الإنسان من قبل الله لا يمنع ولده أن يرثه، ولو قتله ولده لم يرثه، فقد صار ها هنا فعل الله سبحانه يتعلق به من الحكم ما لا يتعلق بفعل الآدمي، فلا يستنكر افتراق فعل الله سبحانه في تحليل الخمر وابن آدم لها، فيكون الحكم في ذلك مختلفا.
ويحتج أصحاب الشافعي على التحريم بما روي أن أبا طلبة ذكر للنبي عليه السلام أن عنده مال أيتام فاشترى لهم به خمرا، يريد حين كانت الخمر مباحة، فلما حرمت سأل النبي عليه السلام عن حكمه، فقال له: أرقها. فقال: يا رسول الله هلآ أخللها؟ فقال: لا).
فالأمر بالإراقة يقتضي منع التخليل، وقوله عليه السلام، لما سأله عن التخليل، لا، نهي عن تخليلها. وأيضا فإن هذا مال أيتام، والشرع مبني على الاحتياط على مال الأيتام، وصونه عن التلف، فلو كان التخليل مباحا يصان به مال اليتامى لكون (1) - صلى الله عليه وسلم - يأمره به، ولا ينهاه عنه لما استفتاه في ذلك، ألا ترى أنه أشار بدباغ الجلد في شاة ميمونة لما كان مصلحة وصيانة للجلد.