تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد قدمنا في صدر هذا الكتاب أنا نجيز أن يتقدم الرهن على عقد البيع، خلافا للشافعي. وبالجملة أنه التمت في هذا إلى أنه تحجير على المشتري في المبيع، والتحجير ينافي موجب البيع من إطلاق التصرف. فإن هذا قد يلتفت إليه من منع هذا الاشتراط، ويدافعه عن ذلك من أجاز هذا الاشتراط بأن هذا التحجير ليس

بضربه لازمة على المشتري لكونه متى أتى بالثمن تسلم المبيع، فصار التحجير كأنه من قبله، والتحجير الممنوع أن يكون من قبل البائع اشتراطه. فإن راعينا أنه شراء معين اشترط ضمان البائع إلى أجل بعيد فإن ذلك يكون وجها للمنع.

وقد يجاب عنه أيضا بأن هذا ليس كاشتراط ضمان العين على بائعه، وأنه هو المقصود في هذا العقد، وإنما هو كاشتراط احتباس السلعة المبيعة بالثمن وشرط احتباس السلعة المبيعة بالثمن جائز، فكذلك هذا. لكن اشتراط حبس السلعة إنما جاز ذلك في بياعات النقود، وأما إذا كان التأجيل البعيد صار ذلك فيه معنى ما أشرنا إليه من القصد لاشتراط الضمان على البائع، ولهذا قال بعض أشياخي: لا يختلف المذهب في منع هذا الشرط إذا كان الخمن إلى أجل بعيد. كما حكيناه.

والجواب عن السؤال التاسع أن يقال:

إذا رهن عصير العنب، وهو حلو حلال، فصار خمرا، ثم تخلل، فإنه يبقى على الملك على ما كان عليه قبل أن يصير خمرا، من غير خلاف. وهكذا نقلوه (1) على حكم كونه رهنا عند فقهاء الأمصار مالك والشافعي وأبي حنيفة.

وحكى بعض أصحاب أبي حنيفة أنه لا يعود رهنا إلا بعقد مستأنف. وحكاه أيضا بعض أصحاب الشافعي عن أبي حئيفة. وأنكر ابن القصار هذه الحكاية على من حكى من أصحابنا، ورأى أن أبا حنيفة مذهبه كمذهبنا في هذه المسألة. وكذلك أنكر أبو الحامد الإسفراييني على من حكي ذلك عن أبي حنيفة أيضا، ورأى أن مذهبه كمذهب الشافعي في ذلك. وكذلك أشار أبو حامد إلى إنكار من نقك أن هذا أيضا حكي عن الشافعي، وأن له قولا بكونه لا يعود رهنا.

لكن ينبغي ألا ينكر الخلاف في هذه المسألة، فإن ابن القصار قال في كتابه: وقال قوم: لا يبقى على حكم كونه رهنا ويفتقر في كونه رهنا إلى تجديد

عقد مستأنف. وكأن هؤلاء رأوا أن الملك أقوى من الرهن، فبقاه على الملك الأول، وكون زوال اليد عند لا يضعفه والرهن أضعف من الملك، وزوال يد الراهن عنه يضعف الرهن على الجملة، وقد أمر الشرع، لما صار هذا العصير خمرا، بدفع (1) يد المالك عنه ويد المرتهن، فكأن يد المرتهن يقدر ارتفاعها تقديرا. ورأت الجماعة والجمهور أن الرهن يتعلق به حفان: حق الملك وحق الرهن، فإذا اتفق على أن حق الملك في هذه العين يبقى على ما كان عليه، فكذلك حق الرهن, لأنه تابع للملك ومن حقوق الملك.

ولو كان عقد الرهن على الخمر، والراهن والمرتهن مسلمان، لم ينعقد هذا الرهن، تكون الحكم إراقة هذا الخمر.

ولو كان الراهن ذميا والمرتهن مسلما، لم ينعقد هذا الرهن في حق المسلم، بل يعاد إلى الذمي مالكه، ولو بيع هذا الخمر لم يكن المسلم، الذي أخذه رهنا، أحق به من غيره من الغرماء, لأن حيازته إياه كالعدم، فصار كمال الغريم (2) لم يحزه أحد من الغرماء.

ولو كان الراهن مسلما والمرتهن ذميا لأريقت على المسلم، وبطل حق الذمي المرتهن فيها.

والجواب عن السؤال العاشر أن يقال:

حق هذه المسألة أن تذكر في كتاب الأشربة، ولكن لما جرى الرسم بذكرها في كتاب الرهن، في تصنيف البغداديين من أصحابنا وأصحاب الشافعي، اقتفيت أثرهم في ذلك.

واعلم أن تخليل الخمر لا يخلو من أحد وجهين:

أحدهما: أن تكون تخللت من غير صنع المخلوقين في ذلك، لا بإلقاء شيء يخللها وينقلها عن كونها خمرا، ولا ينقلها من ظل إلى شمس، أو هواء إلى هواء.

أو يكون تخللها بعلاج أبقي فيها وهو على قسمين: أحدهما أن يعالجها بالنقل وتبديل الأهوية والأمكنة. والثاني أن يعالجها بشيء يلقيه فيها.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٩٩