يقولون: إن الحديث الذي تعلق به المبيحون للتخليل من قوله عليه السلام" يحل الدباغ الجلد كما يحل النحل الخمر، ضعيف لم يثبت.
ويقول أصحاب أبي حنيفة وأصحاب مالك المبيحون لذلك إن سؤال أبي طلبة كان حين نزل تحريم الخمر، وهي محبوبة كانت عندهم، فنمع عليه السلام من تخليلها لئلا يكون ذلك داعية إلى إفساد فطامهم عن شربها، فلما استقر الحكم بالتحريم وألفوا اجتنابها زالت هذه العلة.
وهذا تأويل ضعيف, لأن أحكام الشرع وأوامر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونواهيه
منسحبة على عموم الأزمان والأعصار، وتقرير النسخ فيها بالإمكان تطرق إلى فساد خطاب صاحب الشرع.
ومما يعتمد عليه أصحاب الشافعي أنه متى ألقي في الخمر بورق أو خل، أو غير ذلك مما يخللها، تنجس الملقى فيه ابن جاستها، وصار مائعا فيها مخالطا لأجزائها، وقد صارت نجسا، فلهذا منع من استعمالها وأكلها.
ويقول المبيحون لذلك: لما استحالت الخمر وطهرت في نقسها زالت نجاسة ما خالطها مما ألقي فيها بزوال نجاسة ما نجسه كالدن فإنه ينجس لمماسة أجزاء الخمر.
وإذا تخللت الخمر من قبل الله سبحانه وطهرت طهر الدن بطهارة ما نجسه. ويمنع أصحاب الشافعي هذا القياس على طهارة الدن، فإن الدن إذا نجس لمماسة الخمر النجسة فإذا طهرت فقد استحالت تلك الأجزاء التي ماسته، فيبقى طاهرا على ما كان عليه قبل أن يماسها، وما يلقى في الخمر مما يخللها فقد صار مائعا فيها وهو نجس, فلا يطهر بطهارة الخمر التي نجسة (1) لأدت أجزاءه لم تنقلب عينها كما انقلبت عين الخمر.
وإذا وضح ما قلناه في هذه المذاهب والأدلة عليها، فقد وقع اضطراب في جواز (2) الخمر هل هو مما يؤثر؟، وكأن اليد عليها مما يرجح أم لا؟ فيه اضطراب، فقال بعض أصحابنا، فيمن غصب خمرا فتخللت عنده: إنها تبقى للغاصب, لأن يد من غصبت منه كلايد، وحوزه كالعدم، فأشبه من خلل خمرا لا يد لأحد عليها ولا حق لأحد فيها. وإذا قلنا: إن لوضع اليد عليها تأييدا وترجيحا ردت إلى المغصوب منه وهذا مما ذكرناه في كتاب البيوع.
والجواب عن السؤال الحادي (1) عشر أن يقال:
الرهن يصح أن يؤخذ عن كل حق، وإن اختلفت أنواع الحقوق الثابتة في الذمم، بأن يكون ثمن مبيع بيع النقد (2)، أو بيع بثمن إلى أجل، أو ثمنا لإجارة، أو صداقا في نكاح، أو عرضا (3) عن خلع، أو أرش جناية إلى غير ذلك من سائر الحقوق الثابتة في الذمم.
وعلى هذا جمهور العلماء. وحكي عن بعضهم أنه لم يجز الرهن إلا في السلم خاصة، تعلقا منه بقوله تعالى ﴿إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ (4) إلى قوله تعالى ﴿فرهان مقبوضة﴾ (4) فافتتح الآية بذكر الدين المؤجل وهو السلم، ولو كان المبيع سلعة وثمنها دنانير مؤجلة لحسن دخولها في هذا الظاهر, لأنها مداينة إلى أجل، وإن كان العرف تسميتها بيعة أجل.
وإنما جرى العرف تسميته دفع دنانير في سلعة مؤجلة موصوفة بتسميتها سلما، فلأجل هذا قال هؤلاء لا يجوز الرهن إلا في السلم.
وعندي أن القوم قد يتخيلون أن الرهن كالرخصة لأجل الضرورة، والحاجة الداعية إلى أن يرخص فيه، وإنما تدعو الضرورة في غالب الأمر إلى ذلك في السلم لأن الرهن بدل مال عن مال يكون في الذمة، ويخشى الفلس عند محل الأجل، فيقبض من المديان سلعة تكون بيده رهنا، فيمنع الراهن من التصرف فيها ويعطل منفعته بها، ويحجر عليه بيعها والانتفاع بها. والأصل في الأملاك ألا تحجر على مالكها، فقد صار الرهن كالخارج عن الأصول، فلهذا لا يجوز إلا فيما نص الشرع عليه.
ورأى العلماء أن معنى سائر الديون تساوي (1) في المقصود بالرهن، وهو الاستيثاق بالحق المطلوب، وكون دافع الرهن له في ذلك منفعة، فلم يعطل مارهنه من ماله، أو يحجره على نفسه إلا بعوض وهو (2) أنفع له، ولولاه ما عومل ولا دوين. وهذا المعنى يشترك الحقوق فيه وقد قال تعالى: "وأشهدوا إذا تبايعتم " ثم قال: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ فجعل الرهبان تقوم مقام الإشهاد عند تعذر الإشهاد، والإشهار (3) يجوز في سائر الديون والحقوق، فكذلك ما جعل ينوب (4) منابه.