وكذلك يجوز بيعهما ولو كانا في غرارة أو شبهها؛ لأن المعتمد في هذا على الحزر الذي يحرره العارف. ولا تختلف معرفة العارف بهذا يكون القمح موضوعا في الأرض أو في غرارة أو في جفنة. لكن ابن المواز لما أجاز هذه، قال: لو عقد البيع على أن يملأ له غرارة فارغة قمحا موصوفا أو مشاهدا ما جاز ذلك. وكذلك قال في الزيت: إنه يجوز بيع قارورة منه مملوءة زيتا يعقد البيع على زيتهالأولو كانت فارغة ما جاز له أن يشتري ملأها من الزيت. وكذلك لو اشتراها مملوءة جزافا ما جاز له أن يعقد على ملئها ثانية.
وهذا قد يهجس في النفس استبعاد الفرق بين ما أجاز وما منع. إذ لا يختلف حزر الحازر لزيت في قارورة أو حزره لمقدار ملئهلالكن قصارى ما يفرق بينهما (2) به، أن المقصود تغير أحكام العقود على حسب ما قدمناه مرارا. وإذا كانت القارورة مملوءة زيتا والغرارة مملوءة قمحا، صار المبيع جزافا مرئيا مشاهدا. فالقصد العقد على مرئي مشاهد فتطلب معرفة مبلغه بالحزر والتخمين حتى إذا كانت القارورة فارغة فالمشترى جزافا غير مرئي ولا مشاهد، فالقصد العقد على قمح مكيل بمكيال غير معلوم مقداره في المكيال الذي اعتادا به التبايع. فصار ها هنا القصد إلى التغارر لكون المبيع غير مرئي ولا مشاهد، حتى إذا كان مشاهدا مرئيا صار العقد على ما شاهد ورأى، لا العقد بمكيال مجهول. لكنه استثنى في المدونة، لما منع البيع بمكيال مجهول، بمكيال غير معروف من الأعراب لكون المكيال عندهم يتعذر وجوده، فعفي عن ذلك للارتفاق ورفع المشاق، مع كون هذا مجهولا في نفسه.
واختلف المذهب لو وقع التبايع بمكيال مجهول المقدار، هل يفسخ البيع
أم لا؟ فذهب أشهب إلى أنه لا يفسخ، تقريبا منه حكم هذا من أحكام الجزاف، والجزاف جائز كما قدمناه. ورأى غيره أنه يفسخ؛ لأن العدول عن المعتاد من المكيال إلى المجهول منها قصد إلى الغرر والمخاطرة. وقد حاول بعض المتأخرين أن يجعل فيما حكيناه عن ابن المواز اضطرابا في المذهب. هل منع شراء ملء قارورة وحل (1) غرارة لكونه جزافا غير مرئي، أو لكونه تبايعاه بمكيال مجهول المقدار؟ وذكر الرواية الواردة يمنع أن يبيع منه قمحا مكيل هذه الصبرة.
وأجاز ذلك في سلة عنب أن تشتري سلة عنب مملوءة ويملأها له ثانية، وما ذلك إلا لكون العنب مما لا يكال. فلم يقصدا في اشتراطهما ملأها ثانية إلى البيع بمكيلة مجهولة، والقمح مما يكال. فإذا اشترى كيلا مثل الصبرة المعقود عليها، صار (2) هذا كالعقد بمكيال مجهول. وهذا الذي قاله في الصبرة يفتقر إلى بسط، ولعلنا أن نبسطه في أحكام الصبر إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:
إذا استوى المتعاقدان في العلم بكيل المبيع لم يكونا عقدا على جزاف.
وإن استويا في الجهل بكيله كانا عقدا على الجزاف وإن انفرد أحدهما بعلم كيله فإنهما ليسا بمتجازفين فلا يجوز العقد على هذا عندنا.
وأجازه أبو حنيفة والشافعي.
ولا يخلو انفراد أحدهما بعلم ذلك: إما أن يشترط على المشتري أنه لا يخبره بما علم من مبلغ الكيل ويكله إلى حزر نفسه أو يكتم أنه يعلم. ذلك ثم يطلع على ذلك بعد العقد.
فأما إن اشترط عليه في أصل العقد أنه يعلم بالكيل ولا يعلمه بذلك، فإن البيع فاسد لأجل أنهما عقدا على مخاطرة وغرر. وقد نبهنا عليه فيما تقدم من كون المشتري إنما ينشط خاطره للشراء، ويعتقد أنه لم يغبن إذا علم أن البائع
منه إنما يعول على الحزر والتخمين كما عول هو عليه. حتى إذا علم أن البائع يعلم بالكيل حقيقة لم يجبر على العقد ولم يتق بحزره وتخمينه ويسبق إلى نفسه أن البائع لما علم أنه أخطأ في حزره على نفسه أنعم له بالبيع. وأما إذا لم يشترط العلم بذلك وكتمانه، ولكنه اطلع على علم البائع بذلك بعد العقد، فإنه عندنا عيب في المبيع يكون للمشتري الخيار. إن شاء التزم البيع وإن شاء رده، لما نبهنا عليه من كون المشتري لم يدخل إلا على أن البائع معول على الحزر مثل ما عول هو عليه. وانفرد الأبهري ولم ير هذا كالعيوب التي يكون للمشتري الخيار في الرد بها إذا اطلع عليها بل جعل ذلك مفسدا للعقد كما يفسده اشتراط العلم وكتمانه. وأشار إلى أنه خطر وغرر بخلاف العيوب.