تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما إذا كان الرهن مما يعرف بعينه، فلا يختلف في جواز أخذه رهنا إذا كان لم يختلف في جواز بيعه.

وإن كان لا يعرف بعينه، وليس من الاثمان التي هي الدنانير والدراهم والفلوس، كالمكيل والموزون، فإن في ذلك قولين: المشهور منهما إلحاق ذلك بالدنانير والدراهم. وأجاز ذلك أشهب، وقال: إن التصرف في هذا الجنس لا يخفي ولعله يشير بهذا التعليل إلى أن التصرف والسلف مما يقع في الدنانير والدراهم من واضع يده عليها. بغير إذن مالكها، ويبعد في العادة استخفاف مثل ذلك في المكيل والموزون من طعام كالقمح والزيت ومن سلع كالكتان والحرير.

والجواب عن السؤال الثامن أن يقال:

إذا اشترط البائع أن يكون ثمن المبيع مؤجلا، على أن يبقى المبيع في يده رهنا، فإن ذلك مما اضطرب فيه المذهب. ففي الموازية عن مالك: إن ذلك لا يجوز: يفسخ المبيع المشترط فيه هذا، إذا كان الاشتراط بقاء المبيع في يد البائع رهنا. وأما إن كان الشرط خروجه عن يد البائع إلى يد أمين، اتفقا عليه، فإن ذلك جائز. وقال ابن المواز لا يجب ذلك. وظاهر ما أشار إليه أنه كره ذلك.

ولو اشترط وقف الرهن في يد أمين غير البائع جاز ذلك، إذا كان المبيع يؤمن تغيره كالعقار، ويمنع إذا كان يسرع إليه التغير، كالحيوان. وأما اشتراط وضعه على يد أمين، فيجوز ذلك في العقار والحيوان. ولابن الجلاب منع ذلك في الحيوان خاصة، ولم يقيد باشتراط ذلك في يد البائع أو في يد أمين، وابن القصار، منا أصحابنا أجاز ذلك على الإطلاق في جنس البيع وفيمن يوضع على يديه. لكن ابن القصار ذهب إلى ذلك وهو كالمعتذر عن مخالفة المذهب فيه، فقال: يجوز ذلك عند مالك، ويمنع عن أبي حنيفة والشافعي، والظاهر من قول مالك أنه موافق لهما في منع ذلك، ولعل ذلك منه على جهة الكراهة، قال: وأنا أنصر جوازه (وما نزل) (1) عليه أصول المذهب، فقال بعض الأشياخ: اختلف أصحابنا في ذلك، فمنهم من منعه، ومنهم من أجازه. وذكر أن هذا الخلاف من أصحابنا إذا لم يشترط في رهن المبيع أجل بعيد، وأما لو اشترط فيه أجل بعيد فإنه يمنع قولا واحدا. نقلناه نحن. وبعض أشياخي أطلق الخلاف من غير تعرض لذكر قرب أجل الرهن أو بعده، ونقل ما قلناه من الخلاف.

وتلخص في هذا الذي نقلناه نحن على التفصيل أن اشتراط وضع المبيع

على يد أجنبي غير البائع، جائز عند الأكثر، في المشهور عندنا، إلا ما أشار ابن المواز أنه مكروه، وما تأوله ابن القصار على صفة ما حكيناه عنه، والمنع من ذلك في الحيوان خاصة على ما نقلناه عن ابن الجلاب. وأما اشتراط بقائه رهنا في يد البائع فثلاثة أقوال: مالك منع ذلك على الإطلاق، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعى. وابن القصار أجاز على الإطلاق، وأصبغ أجاز ذلك في العقار وما يؤمن عليه من التغير، ومنعه في الحيوان.

والمانعون لذلك من أصحاب أبي حنيفة والشافعي يعتلون للمنع بأن إجازة ذلك. يؤدى إلى التنافر والتناقض في الأحكام، وذلك أن عقد البيع يوجب تسليم المبيع، واشتراط ارتهانه يوجب حبس المبيع، والحبس والإطلاق معنيان متضادان، فوجب القول بالمنع. لكن (1) القول بالجواز يوقع في التضاد، وأيضا فإن المشتري قد ملك المبيع، وملكه على التأبيد لا يخرج من يده إلا باختياره.

وفي اشتراط كونه رهنا إخراجه من ملكه بغير اختياره، إذا بيع عليه في الدين، وهذان أيضا معنيان متنافران.

والقائلون بالجواز يجيبون عن ذلك بأنه لو سلم المبيع ثم أعاده المشتري للبائع رهنا، فإن ذلك جائز، فيقدر هذا المعنى في اشتراطه كونه رهنا يبقى في يد البائع في أصل عقد البيع, لأنه إنما رهن ما صح ملكه له، ثم بعد صحة ملكه له عتمد على نفسه فيه رهنا، فصار ذلك في معنى الرهن بعد القبض.

وهذا يمنعهم من الاعتلال للمنع أيضا بقولهم: إنه رهن مالم يستقر ملكه عليه، فأشبه أن يرهن عبد غيره، مع أنا أيضا نحن نقدر هذا بعد صحة الملك.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٩٨