تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا قلنا بمنع اشتراطه في أصل عقد البيع فهل يفسد ذلك البيع أم لا؟ فيه قولان جاريان على ما قدمناه في كتاب البيوع في أحكام الشروط الفاسدة المقارنة للبيع، وقد ذكرنا فيهما طريقة أشياخي مبسوطة هناك.

وأما ارتهان الجنين، وإن كان من هذا النوع، لكنه أوضح في الغور, لأن الثمرة موجودة مشاهدة، وما يطرأ عليها من الآفات مترقب، والجنين لا يدرى وجوده حين ارتهانه أو لا, ولو علم وجوده لم يعلم هل يوضع حيا أم ميتا؟ فكان الغور فيه أشد من الثمرة. وقد منع في كتاب الصلح أن يرتهن الجنين. وأجازه ابن ميسر وكان الابن (1) الغرر فيه أقل من الجنين وأكثر من الثمرة.

ولو رهنه ثمرة لم تخلق، (وأحال ما علم هل يخلق في شجرة معلومة) (2) لكان ذلك كرهن الجنين.

ولو رهنه خدمة مدبرة يجوز عقد الإجارة فيها مدة معلومة لجاز ذلك.

وأما خدمته سائر أيام حياته، فهو على الخلاف في رهن الغرر إذا قارن عقد بيع.

(ولو رهنه رقبة فيها منفعة، فبطل ارتهان الرقبة، فهل يعود الرهن متعلقا بمننمعة هذا الجنين أم لا؟ فيه قولان) (1). كمن ارتهن دارا فثبت أنها محبسة على من هي رهن في يديه، فهل يعود الرهن إلى منفعة هذا الحبس أم لا؟ فيه قولان:

أحدهما: إنه لا يعود إلى المنفعة. وإذا بطل الرهن في الرقبة لكونها حبسا بطل في منفعتها.

والثاني: إن الرهن يتعلق بمنفعتها (3) وكرائها، وكان ذلك كجزء منها

يجوز بيعه ورهنه فلم يبطل هذا الجزء ببطلان ما أخدمه (1).

وأما ارتهان عبد مرتد يجب قتله للردة أو عبد قتل عبدا عمدا حتى وجب عليه القصاص، فإن ذلك يعتبر فيه جواز بيعه، وإذا أجزنا بيعه أجزنا رهنه.

وقد أجاز الشافعي بيعهما ورهنهما كالمريض المدنف الذي يخشى عليه الموت. ولكن إذا لم يعلم المرتهن بذلك كان ذلك عنده يرد الرهن به. وقد تكلمنا نحن على ما يجوز بيعه في كتاب البيوع الفاسدة.

ومما يلحق بهذا رهن جلد الميتة إذا دبغ: هل يحرم أم لا؟ وذلك مبني على الخلاف عندنا في المذهب في جواز بيعه إذا دبغ. وكذلك جلود السباع إذا ذكيت يستباح بالذكاة جلدها، هل يصح بيع الجلد، وتعمل فيه الذكاة أو لا تعمل فيه التذكية؟ هذا أيضا فيه اختلاف، وارتهانه يجوز عند من أجاز بيع هذا الجلد إذا ذكي، وتذكيته كتذكية الصيد، إذ لا يمكن ذبحه. ويمنع عند من لا يجيز بيعه.

ومما ينخرط في هذا السلك جواز ارتهان الأمة، ولها ولد صغير في سن من لا يحل أو (2) يفرق بينه وبينها في البيع، فإن ذلك مما يجوز ويخالف حكم التفرقة بالبيع. وقد روي عن مالك أنها إذا رهنت، ووجب بيعها في الذي هي موهونة به، فإنها تباع مع ولدها ويفض الثمن عليها وعلى ولدها، مما (3) قابل رقبتها أخذه المرتهن، وما قابل الولد تحاص فيه سائر الغرماء حتى المرتهن إذا كان بقي من دينه شيء. وقد ذكر بعض أصحابنا في هذا أن المذهب على قولين تعلقا بما في المستخرجة، فقال: اتفق على منع التفرقة بالبيع واختلف في ذلك في الرهن. ففي المستخرجة عن مالك كراهة ذلك. قال يحيى بن عمر:

فسألته (4) عن ذلك ابن وهب فقال: لا أرى به بأسا.

وعندي أن هذا الاختلاف، إن ثبت، فإنما يحسن إذا لم يفرق بين الولد وبين أمه تفرقة يلحقه الضرر الشديد منها، ويلحقها من تعلق النفس به، إذا حيل بينه وبينها، الضرر أيضا, لأن العلة في الاتفاق على منع التفرقة في البيع مراعاة الضرر الذي أشرنا إليه.

وقد يكون الرهن مما يجوز بيعه باتفاق، ولكن يعرض فيه عارض يمنع من رهنه، غير هذه المعاني التى تكلمنا. عليها، مثل رهن الدانير والدراهم والفلوس، فإن ذلك يمنع منه، إلا أن يطبع عليها، حتى يحال بين المرتهن وبين التصرف فيها، فتوضع على يديه مطبوعا عليها، فلا يخفى تصرفه فيها إذا اطلع على زوال الطبع. وإذا اطلع علي بنائه (1) علم أنه لا (2) يتصرف فيها. وما ذلك إلا حماية الذريعة أن يكون الراهن والمرتهن قصدا إلى أن يقبض على جهة السلف وسميا ذلك القبض رهنا، واشتراط السلف في المداينة أو المبايعة يمنع، والتطوع به كهبة المديان. وقد سلف القول فيها.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٩٧