وكذلك لو قال: ما داينت به أحد إلغرماء أو غصب أحد فعلى ضمانه. نختلف نحن فيه معهم.
وقد ذكر ابن القصار أن من قال لرجل: اطرح متاعك في البحر، وعلي ضمانه، فطرح الرجل متاعه في البحر، أنه لم يختلف في لزوم هذا الضمان، وإن كان ضمانا تقدم الوجوب. فكذلك الرهن إذا تقديم ثبوت الحق.
وهم ينفصلون عن هذا بأن هذا يجري مجرى المعاوضة فكأنه قال له اطرح متاعك، وأنا أعطيك قيمته عوضا عنه، فلهذا ألزم ذلك، لأن حكم المعاوضة خارج عما نحن فيه. وابن القصار يرى أن هذا من الأسلوب الذي نحن فيه، (لأنه قيمة التزام قيمته) (1) قبل وجوبها ووجود سببها.
وقد تقدم حكم ضمان دين يثبت فيما بعد، في كتاب الحمالة بما يغني عن بسطه ها هنا.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:
الرهن يكون أنواعا، منه ما يجوز ملكه وبيعه، ومنه مالا يجوز ملكه ولا بيعه، ومنه ما يصح ملكه ولايصح بيعه، ومنه مايصح بيعه.
واختلف في رهنه:
فأما ما يصح بيعه وملكه، فواضح أنه يجوز رهنه، كالعقار والعروض والحيوان، وغير ذلك من ضروب الأموال التي يصح ملكها وبيعها فيجوز رهنها.
وأما ما لا يصح ملكه ولا بيعه، فواضح أيضا حكمه في كونه لا يصح رهنه، كالخمر والخنزير، وشبه ذلك مما لا يصح ملكه ولابيعه.
وأما ما يصح ملكه ولا يصح بيعه، كأم الولد والمعتق إلى أجل، المدبر، فإن هذا أيضا (1) يصح رهنه, لأن فائدة الرهن الاستيثاق من الحق حتى يستوفي الحق من ثمن العين المرهونة. فإذا كانت العين المرهونة لا يجوز بيعها فلا فائدة في رهنها. وأما الثمرة قبل أن يبدو صلاحها، والأجنة التي في البطون التي لم توضع، فإنها يجوز رهنها بعد عقد البيع، وفي السلف، مقارنة له أو متأخرة عنه. وهل يجوز رهنها في عقد البيع؟
فيه اختلاف في المذهب، لأجل مراعاة المآل، وهو ترقب مصيرها إلى حالة يجوز البيع فيها. وهذا الترقب. يلحقها بعقود الغرر التي لا يجوز عقد المعاوضة عليها في الشرع. لكن هذا متفق عليه في كون الغرر في نفس الثمن، أو نفس المثمون، وكأن، الرهن خارج عن الثمن والمثمون، عند من أجاز أخذه رهنا في عقد البيع.
وعلى هذا يجري الأمر في رهن المدبر، إن مات سيده وعليه دين يرد التدبير، أو ارتهنت خدمته أيام حياته، ولا يدرى مبلغها.
وأما ارتهان الكلاب التي اتخذت للضرع أو للزرع أو للصيد، فارتهانها مبني على الخلاف في جواز بيعها، فمن أجاز بيعها أجاز رهنها، وميت منع بيعها منع رهنها لعدم الفائدة المقصودة في الرهن، وهو استيفاء الحق من ثمن الرهن.
وأما ما يجوز بيعه واختلفوا في رهنه، فهو رهن المشاع. فعندنا وعند الشافعي أنه جائز. ومنع ذلك أبو حنيفة ورأى أن المشاع لا ينعقد فيه رهن، مثل
أن يرهن نصف دار أو نصف عبد، فإن الرهن عنده لا يصح إلا أن ترهن الدار كلها أو العبد كله، فيكون هذا الرهن مفردا محوزا متميزا ما رهن عما لم يرهن.
وذكر الشيخ أبو الطيب عبد المنعم، وهو أحد أشياخ شيوخي، تخريج مذهب أبي حنيفة من قول من قال من أصحابنا: إن هبة المشاع لا تصح، لكون القبض فيه لا يتأتى، فكذلك يلزم على هذا. أن يمنع من رهن المشاع.
وهذا النقل الذي نقله أو التخريج الذي خرجه، لم أسمعه من أحد من أشياخي، وإنما ذكر في بعض ما صنعه.
واستدل أصحابنا على رهن المشاع بقوله تعالى ﴿فرهان مقبوضة﴾ (1) ولم يفرق بين كون الرهن مفردا متميزا، ولا بين كونه مشاعا.
والمعتمد عليه من طريق النظر أن الغرض من الرهن استيفاء الحق من العين المرهونة. وقد اتفق على جواز بيع المشاع، فيقتضي هذا الاتفاق على جواز بيعه أن يتفق على جواز رهنه, لأنه لو كان القبض فيه لا يتأتى لوجب أن يكون البيع فيه لا يجوز. فإذا أشعر الاتفاف على جواز بيعه يكون قبضه ممكنا، اقتضى ذلك امكان القبض في كونه رهنا. ولا وجه للمنع منه مع هذا الذي عللنا به الأصل المتفق عليه، وهو جواز البيع فيه.