تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأصحابنا يجيبون عن ذلك بأن الرهن السابق، الذي ذكرنا مثاله، كأنه انعقد إنعقادا مرقبا، فإن صح السلف بالغداة كان ذلك المذكور بالأمس رهنا، وخير القائل لذلك على تسليمه لمن أسلفه، ولمن باعه منه. لكنه لم يستقر كونه

رهنا بمجرد قول أمس، لكن ما فعلاه اليوم من قرض أو بيع والذي فعلاه اليوم أوجب جبر المشتري أو المقترض على دفع ما جعله بالأمس رهنا. وجرى ذلك مجرى الشروط التي يتأخر المشروط عن زمن العقد. لكن وإن تأخر عن ذمة (1) إذا أتى زمنه تعلق الشرط بالمشروط تعفق وجوب، كقول القائك: إن طلقت زوجتك فعلي مائة دينار، أو اعتقت عبدك فعلى مائة دينار. فإن هذا الشرط إذا تقدم بقي على الترقب فإن وقع الطلاق أو العنق إثر الشرط، وصار مع المشروط كالواقعين في زمن واحد، أو يفد (2) أنهما، وإن تزاحما في الزمن، فإن المشروط لم يحصل إلا بعد حصول الشرط، كقوله لزوجته: إن دخلت الدار فأنت طالق، فلا تأثير لهذا القول، لكنها لو دخلت وجب الطلاق.

والشافعي يلغي هذا الشرط في الرهن ويوجب القرض والبيع من غير زمن (3)، ولو أخذه لم يكن في يديه رهنا، فهو كالأمانة. وهذا إضرار بالذي يقرض والذي باع لأنهما إنما التزما إخراج ملكهما بشرط الرهن، وإذا قال: إذا بعت مني عبدك غدا بمائة دينار فعبدي هذا رهن بها. فأصبحا وتبايعا, ولزم البيع عند الشافعي إذا عقداه من غير رهن، فلهذا ألزم البائع بيعا التزمه على صفة ما ألزمه إياه مع سقوط الصفة، لا سيما والرهن كأنه جزء من الثمن، ولا يصح أن يلزم من باع سلعة بمائة دينار ألا يقبض في ثمنه (4) إلا تسعين دينارا.

وأما قياسهم على الشهادة، فإن الشهادة ها هنا لا تصح إلا عن أمر معلوم عند الشاهد، ألا ترى قوله تعالى ﴿اوما شهدنا إلا بما علمنا﴾ (5). وعلمهما بقول هذا القائل اليوم: إذا بعتني غدا عبدك بمائة دينار رهنتك عبدي هذا، لا يكون علما فيهما بما يفعلانه في الغداة من بيع أو غيره، وإنما يصير الثمن في الذمة

بانعقاد البيع، وهذان الشاهدان لم يعلما به، بخلاف الرهن فإنه لا تعلق له ها هنا، في صحة كونه رهنا بالعلم، كما تتعلق الشهادة بعلم الشاهدة.

ويتعلق أصحابنا من جهة الاعتبار بأن الرهن إذن من مالكه في إمساك الرهن وحفظه، والإذن ها هنا يصح تقدمه، ألا ترى أن القائل لو قال لرجل: أذنت لك أن تقبض بالغداة هذا الثوب وديعة عندك، فإن هذا يصح. فإذا قبضه بالغداة صار وديعة بالقول الذي كان بالأمس، ولم يكن متعديا في قوله: أذنت لك أن تقبض عبدي هذا غدا على أنه رهن عندك. ألا ترى أن النبي عليه السلام لما بعث عسكرا إلى الشام قال: "أميركم فلان، فإن قتل فأميركم فلان، فإن قتل فأميركم فلان (1) فعلق الإذن بشرط، على ما ذكر في الحديث، واحد بعد واحد، ثلاث مرات. فلا يستنكر في الشرع تعلق الإذن بأمر يكون في المستقبل.

وقد قال أصحاب الشافعي: الرهن لا يتعلق بالصفات ألا ترى أنه لو قال: إذا طلعت الشمس بالغداة فخذ عبدي رهنا بالحق الذي استقر في ذمتي لك، فكذلك إذا تقدم على عقد البيع صار الرهن علق بصفة.

وقد تردد كلام ابن القصار في هذا فقال: إنما يتعلق الرهن بصفة تفيد كقوله: إن صبرت علي، بالدين الذي حل لك علي، شهرا فخذ عبدي رهنا، فهذا القول ينعقد ويصح.

وأما تعليقه بزمن لا فائدة فيه، للراهن ولا للمرتهن، فإن ذلك لا يصح.

ثم قال: إنه لا يمتنع، على أصولنا، صحة هذا القول، وكون هذا رهنا إذا طلعت الشمس.

وهذا الذي تردد فيه، ظاهر المذهب فيه ما قال من كون ذلك يصح, لأن القائل ذلك كالواهب منفعة لمن له الدين وتطوع ببذل ما يستوثق به من حقه ببذله بعد حين من القول. وهذا لا نكير فيه.

فإن قاسوا الرهن المتقدم على المعاملة فإن ذلك قياس يصح على مذهبهبم دون مذهبنا، فإن رجلا إذا قال لرجل: دائن فلانا، وعلي ضمان ما تداينه به، فإن ذلك ضمان لازم عندنا، إذا داينه بعد هذا القول بما يشبه أن يداين به ويثبت ذلك. وهو يمنعون ذلك، ولا يرون الضمان ينعقد بما يستقبل المعاملة كما قالوا في الرهن.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٩٢