تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويعتمد أبو حنيفة على أن الغرض. في الرهن ملك اليد لا ملك الرقبة، والعوض في المبيع ملك العين لا ملك اليد. وإذا كان الأمر هكذا فلا يتأتى ملك اليد في رهن المشاع لأن النصيب الذي لم يرهن من حق مالكه أن يقول للمرتهن: اقسم معي منافع هذه الدار قسمة مهاياة، فتكون في يدك يوما وفي يدي يوما، وكذلك العبد يكون في يديك يوما وفي يدي يوما. والحكم عنده الجبر على هذه القسمة، فصار ذلك كالمشترط في عقد الرهن كون هذا النصيب من العبد في يد المرتهن يوما وفي يد المشتري يوما. ولو صرح بهذا الشرط في

أصل العقد الرهن (1)، فقال الراهن: رهنتك داري على أن تكون يوما بيدك رهنا، ويوما ترجع إلى ولا تكون لك رهنا. لم يصح، فكذلك رهن المشاع إذا اقتضى الحكم فيه المنع في عقد الرهن.

ويحترز أصحابه في تحديد هذا الاعتبار بقوله: إن معنى قارن الرهن العقد فأفسده قياسا على ان من رهن داره على أنها تكون يوما رهنا، ويوما بعده (لم يكن) (2) رهنا في مسألة ناقضهم بها أصحابنا، وهي من أرهن جميع داره في دنانير، ثم سأل الراهن من بيده الرهن أن يمكنه من بيع نصفها لينتفع بثمنه، ويبقى بيده النصف الآخر رهنا بجميع حقه، فيجوز ذلك، ولا يمنع من صحة الرهن، مع كون المشترى لهذا النصف من حقه أن يدعو من بيده النصف الذي هو رهن إلى هذه القسمة، فيقول له: تكون عندك الدار كلها يوما، وعندي يوما آخر. فقد صارت العلة المانعة عنده لرهن المشاع تتصور في هذه المسألة التي ذكرناها، فكأنه نقض العلة وخصصها. لكنه يقول: فإن هذا أمر طرأ على الرهن بعد انعقاد على الصفة التامة الكاملة، فلهذا لم يفسد هذا الرهن. وقد تكون حالة الابتداء تقتضي حكما بخلاف حالة ما بعدها فلهذا احترز القوم في الاعتبار الذي حرروه بقولهم: معنى قارن العقد فأفسده، على أن القوم يقولون بتخصيص العلة الشرعية، على ماذكرناه في أصول الفقه. فإذا قام لهم دليل على الجواز في هذه المسألة مع وجود العلة فيها لم يبطل عندهم أصل القياس. فإذا كان المقصود من الرهن ملك اليد لا ملك الرقاب، لم تؤثر المشاعة (3) في صحة البيع تكون اليد لا يبطل ارتفاعها عن الرقاب المملوكة حقيقة الملك، فكذلك في هبة المشاع, لأن القصد بها تملك الرقاب، فلم يبطلها الإشاعة، بخلاف رهن المشاع فإنه المقصود منه قبض الرهن، وكونه في حكم يده، لا ملك الرقبة. فكل ما أثر في هذا المقصود وهو رفع اليد منع من صحة الرهن.

وناقضهم أصحابنا أيضا بمسألة أخرى وهي إذا قال رجل رجلين، أرهنتكما عبدي هذا في مائة دينار. فإن هذا الرهن يصح عنده وينعقد، وإن كان يتصور (فيه في صورة في) (1) رهن المشاع من كل واحد من المرتهنين لهذا العبد، من حقه أن يقول لشريكه في الرهنية: سلم إلي العبد يوما وأسلمه لك يوما. وهذا أيضا رفع لحكم اليد بمعنى قارن العقد فوجب أن يبطل الرهن.

فأجاب أصحابه عن هذا بأن هذا رهن جميع ملكه مفردا مميزا فلا يلتفت بعد ذلك إلى ما يكون من حق الرجلين اللذين ارتهناه. لكن كل واحد منهما يأخذ هذا العبد يوما نصفه بحق كونه مرتهنا عنده، ونصفه الآخر بحوزه نيابة عن صاحبه، على أن يفعل صاحبه غدا مثل ما فعل هو من الحوز لنفسه، ونيابة عن صاحبه.

والشريك بالملك لا يقال فيه:. إنه يحوز اليوم بحكم الرهن في النصف، وبحكم الرهن في النصف الآخر نيابة عن صاحبه، بل الشريك في الملك يحوز نصفه الذي يملكه بحق الملك في اليومين جميعا وقد قلنا إن حق الملك لا يفتقر إلى حوز.

وأصحابنا لا يرون هذا الاعتذار مقنعا، ولا دافعا لتصور رفع اليد بمعنى قارن العقد.

وسنتكلم نحن على صفة الحوز في زهن المشاع إن شاء الله تعالى.

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:

جرى الرسم بأن الكلام على هذه المسألة مسوبقا بالكلام على رهن المشاع بل يشار إلى كونها أصلا فيها.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٩٤