تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك إذا قارن اشتراط الرهن انعقاد الحق، فإنه أيضا جائز بغير خلاف.

على أن بعض الناس أشار إلى أن الأصل في الجواز القسم الأول، وهو التطوع بالرهن بعد ثبوت الحق في الذمة، مثل أن يقترض رجل من رجل آخر دينارا من غير أن يشترط دافع الدينار أن يأخذ رهنا، لكن من عليه الحق تطوع بعد قبضه السلف بأن دفع به رهنا، أو يبيعه سلعة بثمن من غير أن يشترط البائع رهنا، فبعد إنعقاد البيع تطوع المشتري بدفع رهن بالثمن، لكن أجازة اشتراطه في العقد كالرخصة، لأجل الضرورة الداعية إليه, لأن من باع سلعة ولم يشترط رهنا، أو أسلف دنانير ولم يشترط رهنا، قد يطالب المشتري أو الذي تسلف منه بأن يدفع له رهنا، فلا يساعده، فيكون ذلك داعية لسد باب المعاملات، فلأجل هذه الضرورة جاز اشتراط الرهن حين عقد البيع أو القرض، وإن لم يكن ذلك رهنأ بحق قد استقر.

وهذا الاستعذار لا نحتاج نحن إليه لأجل أنا نجيز تقدمة اشتراط الرهن على عقد البيع أو السلف.

والحالة الثانية (2) أن يتقدم ذكر الرهن والتزامه على انعقاد الحق الذي يؤخذ به الرهن. فهذا مما اختلف الناس فيه ومثاله: أن يقول رجل لرجل: إن بعتني ثوبك هذا غدا دفعت لك في ثمنه عبدي هذا رهنا، وإن أقرضتني مالا غدا دفعت إليك عبدي هذا به رهنا. فهذا يجيزه مالك وأبو حنيفة، ويمنعه الشافعي.

وسبب هذا الاختلاف التنازع في ظواهر وأقيسة.

فأما الظواهر فإن الشافعي يقول: قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ (1) إلى قوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾. وقوله تعالى: "تداينتم" صيغته صيغة الأفعال الماضية، لكنه لما دخل عليه حرف الشرط صيرة للاستقبال. لكن وإن صيره ذلك للاستقبال فإن ما علق به بحرف التعقيب إنما يكون بعد حصول الفعل، وبعقبه, فذلك قوله تعالى " إذا تداينتم بدين" يعني في المستقبل يعني " فرهان مقبوضة" هذا الحرف، الذي هو الفاء، يقتضي أن الرهن يكون بعد وقوع المداينة، واقتضى هذا المنع من انعقاد الرهن قبل ثبوت الحق في الذمة.

وقابل ذلك أصحابنا بقوله تعالى ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ فعم جميع الأحوال، ولم يشترط ها هنا كون هذا الرهن المقبوض مقارنا لثبوت الحق أو متقدما عليه أو متأخرا عنه. والشافعي يرى إن هذا عطف على ما تقدم، والمراد: وإن كنتم على سفر وقد تداينتم فلم تجدوا كاتبا ولا شاهدا فرهان مقبوضة.

ويقابل أصحابنا استدلاله هذا بالآية بقوله تعالى ﴿أوفوا بالعقود﴾ (2) لم يشترط فيه كونه سابقا لثبوت الدين أو متأخرا عنه أو مقارنا له، فهو على عمومه.

وكذلك ظاهر لمحوله عليه السلام "المؤمنون عند شروطه" (3) فعم سائر الشروط، منها الرهبان السابقات (4) لعقد الييع واللاحقة له.

لكن الشافعي قد يرجح استدلاله بأن التعلق بظاهر كلام يختص بالمسألة

بعينها، وقد ذكر الرهن والمداينة، أولى من التعلق بكلام لم تختص به المسألة هذا سبب الاختلاف من جهة الظواهر.

وأما من جهة الاعتبار فإن الشافعي يقول: إنما يتصور في النفس حقيقة الرهن بأن يكون رهنا بحق استقر في الذمة، وأما رهن بغير شيء ولا بحق فلا يقبل، ولا يتصور فيه كونه رهنا.

وهذا يضطر إلى أن الراهن من حقه أن يكون متأخرا عن ثبوت الحق، أو مقارنا له، لأجل الحاجة والضرورة الداعية إلى اشتراط الرهن في العقود كما نبهنا عليه. وأيضا فإن الظاهر من القرآن أن الرهن أقيم مقام الشهادة، عند تعذر أخذ الشهادة، ليكون الرهن ثقة بالحق، ومانعا من فواته والطلب به. ألا ترى قوله تعالى ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾ (1) والمراد أن الرهن يستوثق به في الحق كما يستوثق بالشهادة. وقد تقرر أن الشهادة لا تصح إن سبق (2) ثبوت الحق المشهود به، فكذلك الرهن الذي أقامه الله سبحانه مقامها، ألا ترى أن رجلا لو قال لشاهدين: أشهدا علي بأن فلانا يقرضني بالغداة مائة دينار. فإن هذه الشهادة غير مستقلة ولا يقضي بها على المشهود عليه، (ولا يأمره بها) (3)، فصارت ملغاة مطرحة، فكذلك الرهن الذي أقيم مقامها إذا تقدم عقد السلف أو البيع لم يكن رهنا، كما لم تكن الشهادة التي ذكرنا شهادة ينتفع بها.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٩١