فإن قلنا: لا يتمسك بمثل دليل الخطاب الذي اقتضى موجب العادة تقييدة بالذكر لم يصح لمجاهد ودواد التعلق بهذه الآية. إن الله سبحانه لم يذكر السفر ها هنا قصدا إلى تخصيص الحكم بالمذكور. لكن مقتضى العادات أن الكتاب والشهود يوجدون في الحضر غالبا، ويتعذرون (2) وجودهم في السفر غالبا، فكأنه تعالى يقول: اكتبوا وأشهدوا إذا تداينتم، وإن تعذر الشهود والكتاب فخذوا الرهن خوفا من الجحود، أو خوفا من فوت الحق بالعدم والفلس.
ومما يؤكد هذا التأويل أن الرهن على شرطين وهما: عدم الكتاب والسفر. وقد اتفق على أنهما لو كانا مسافرين ولم يعدما الكتاب لجاز لهما
الرهن. فدليل الخطاب يقتضي أنه لا يجوز في هذه الجهالة (1) الرهن لعدم أحد الشرطين، فإذا كان لا يختلف في جواز الرهن في السفر وإن وجد الكاتب دل ذلك على أن هذا الاشتراط غير مقصود به تخصيص الحكم بالمذكور. وهذا واضح لأنه إذا لم يعتبر أحد الشرطين فالآخر مثله لا يعتبر أيضاوهو السفر. وقد اعتذر عما وقد في هذا الحديث من كونه عليه السلام رهن درعه عند يهودي، وعدل عن مياسير أصحابه كعبد الرحمان بن عوف وعثمان بن عفان المشهورين بإفراط اليسار، وغيرهما. وذكرنا في كتابنا المعلم العذر عن ذلك، وأنه عليه السلام يمكن أن يكون قصد بذلك تعليم أمته جواز معاملة أهل الكتاب لئلا يظنوا أن كفوهم وعملهم بما لا يحل في شوعنا يمنع معاملتهم. وهذا جواب صحيح لا قدح فيه.
وقيل: إنه عليه السلام عدل عن ذلك لاعتقاده أن أصحابه لا يأخذون منه الرهن فيما يريد أن يتسلف منهم، ولا يطلبونه بالقضاء لما تسلفه ولو بذل ذلك (عليهم لنقل) (2) عليهم قبول ذلك منه. فلهذا عدل إلى رجل يهودي ترتفع هذه العلة فيه.
وقد ركب بعض الناس على هذا العذر فائدة أخرى، وقال: إن هذا يدل على أن من له دين فأبرأ من هو عليه أنه لا يفتقر في ذلك إلى قبول من عليه الدين الذي أسقط عنه على قول بعض العلماء الذاهبين إلى هذا.
وهذا استنباط فيه إشكال لا ينتهض دليلا على هذه المسألة, لأنه عليه السلام عدل عن ذلك لما أشرنا إليه من أنه يعتقد في أصحابه أنهم لا يقضونه (3) فيما أسلفوه له، ولو بذله لهم وقد أسقطوه ولزمهم (4) قبول ذلك لثقل ذلك
عليهم وشق، فآثر عليه السلام رفع هذه المشقة عنهم سواء كان يلزمه قبول إسقاطهم وإبراؤه من دينهم أولا يلزمه.
وأضاف هؤلاء إلى هذا فائدة ثانية، فقالوا: فيه دليل على أن الرهن لا ينفسخ بموت الراهن، لقول عائشة عليها السلام "مات عليه السلام ودرعه مرهونة "عند يهودي" ولم تقل: انفسخ الرهن بموته.
وهذه أيضا فائداة قد اتضح حكمها من غير هذا الحديث، مع كون سكوتها عن ذكر الفسخ ليس بصريح في إثبات الفسخ ولا نفيه.
وذكروا أيضا فائدة ثالثة فقالوا: فيه دلالة على جواز معاملة من بعض ماله حرام. لان اليهود يستحلون في المعالات ما يمنعه شرعنا. ثم (1) هذا قد عاملهم عليه السلام. وهذا يرجع إلى ما ذكرناه نحن مع العذر عنه عليه السلام وأنه قصد تعليم جواز معاملة أهل الكتاب.
وهذا أيضا يلتفت فيه إلى كونهم مخاطبين بفروع شرعنا وهم على كفرهم، فيكون لهذه الفائدة وجه وإن كان قد تقدم فيه إشكال، أو يقال: إنهم غير مخاطبين فلا يثبت التحريم علينا في معاملتهم.
وذكروا أيضا فائدتين قد ذكرناهما، وهما جواز الرهن على الجملة، وجوازه في الحضر، ردا على مجاهد وداود كما بيناه.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
للرهن ثلاث حالات:
1 - أحدها: أن يؤخذ الرهن بعد ثبوت الحق في الذمة.
2 - والثاني: أن يقارن الرهن انعقاد الحق في الذمة.
3 - والثالث: أن يستحق الرهن (1) انعقاد الحق في الذمة.
فأما أخذ الرهن وقبضه بدين قد تقدم في الذمة فبعد تقرره تبرع من عليه الحق بدفع رهن به، فإن هذا جائز بإجماع.