فإن قلنا يجوز ذلك فإنه يعرض ها هنا معنى. آخر يمنع الإقالة، وهو أن الثمرة إذا أمسكها لما ينوبها من الطعام الذي أسلم إليه فيه أتهما على أن يكونا تعاقدا على ذلك، والتعاقد على بيع ثمرة مؤبرة بشرط التبقية إلى الجداد بطعام مؤجل يمنع، لكونه بيعا للثمر قبل زهوه، وعلى بيع سحنون يمنع لكونها إذا أزهت كانت
طعاما من غير خلاف، فيتهمان على أن يكونا تعاقدا على إسلام طعام في طعام إلى أجل وهذا ممنوع. ولما قدرنا امتناع الإقالة لتغير رأس المال وذكرناها. هذا عن أصل سحنون (علة الامتناع لعلة أخرى غير تغير رأس المال) (1) لكون إسلام طعام في طعام إلى أجل يتصور ها هنا من جهة التهمة وحماية الذريعة، فكذلك أيضا لو اشترى طعاما غائبا ثم أقال منه فإنه يمنع لكون ثمن الطعام عليه دينا، فدفع عنه طعاما غائبا، ودفع سلعة غائبة عن دين في الذمة لا يجوز، لأنه يقدر فيه فسخ دين في دين، على ما وقع في المذهب من الاضطراب.
وهذا الأصل للإشكال الذي عرض فيه وذلك أنه لا إشك الذي أنه إذا فسخ دينا في الذمة في دين آخر يتأخر قبضه، فإن ذلك ممنوع، وإن أخذ عنه سلعة بعينها قبضها في الحال فإن ذلك يجوز، إذا لم يمنع مانع، وقد قدمنا الموانع في المعاوضة عن الديون. وإن أخذ سلعة بعينها غائبة فإنها تشبه فسخ الدين في الدين، لما في قبضها من تأخير، وشبه السلعة المقبوضة في الحال لما فيها من تعيين الخلاف، لكنها تخالف السلعة المقبوضة بالتأخير، وتخالف فسخ الدين في الدين لما في قبضها من تأخير، وتخالف فسخ الدين في الدين بالتعيين. فوقع الاضطراب فيهالأولأجل هذا منع في المشهور من المذهب الإقالة من سلعة غائبة. وإن كانت عرضا لا طعاما لم يتصور فيها من تقدير فسخ دين في دين، وكأنه دفع العرض الغائب الذي اشتراه عما وجب عليه من ثمنه، وإن كان أشهب أجاز الإقالة من العروض الغائبة، ووافقه يبيح، وقال بأن الذمتين ها هنا تبرأ (2) بهذه الإقالة من هذه المعاملة ولا ينعقد، بخلاف فسخ دين في دين الذي لم تبرأ منه الذمة بل انعقد الدين فيها. ورأى بعض أشياخي أن هذا التعليل يقتضي جواز الإقالة في الطعام الغائب، لكون الإقالة فيه تحل به المعاملة، وتبرأ به الذمم، فكأن الدين الذي هو ثمن الطعام الغائب لم يقدر حصوله في الذمة لكون المعاملة عليه قوإنحلت، لا سيما على القول: إن الإقالة حل للبيع لا ابتداء بيع.
ومما ينخرط في سلك الإقالة، وقد تغير رأس المال: من أسلم في طعام فقبض بعضه لما حل أجله ثم أقال فيما بقي، فإن ذلك لا يجوز، لأنه يقدر أن المقبوض انعقد به (البيع) والمقال فيه الذي لم يقبض قد رد رأس ماله فقدر سلفا، فصارت هذه الإقالة كبيع وسلف. ولو أقال من الجميع، ما قبض وما لم يقبض، وكان المقبوض كثيرا، فإنه يمنع؛ لأنه لما قبض صارت الإقالة مانعة لما اكتاله وقبضه، وانتقل ضمانه إليه، ولكنه لم يفعل هذه المبايعة إلا بشرط أن يقال في المال، والإقالة بشرط بيع سلعة أخرى تمنع. بخلاف لو أقاله من جميع السلم، ولم يقبض منه شيئا، فإن ذلك جائز، لكونه لا يتصور فيه ما قررناه من تغير رأس الم الذي الإقالة. لكن لو كان المقبوض يسيرا كعشرة أرادب من مائة إردب، فإن مالكا استخفه ليسارة المقبوض، وبعد التهمة فيه لنزارته، وكرهه ابن القاسم لما يتصور فيه من إقالة بشرط سابق والله المستعان.
والجواب عن السؤال الثامن أن يقال:
إذا أسلم رجلان إلى رجل فولى أحدهما نصيبه إلى رجل، فورثه عن ذلك الرجل جماعة؛ أو ولاه لجماعة، فإن كل واحد من هذه الجماعة يجوز له أن يقيل من جميع نصيبه الذي صار إليه بالتولية وبالميراث، ولا يجوز له أن يقيل من بعضه. وقدر في هذه الرواية أن أحد الورثة إذا ورث نصيبا من ذلك السلم فإنه يحل في نفسه محل من كان له أصل السلم. وقد قدمنا أن من كان له أصل السلم يجوز له أن يقيل من جميع السلم لا من بعضه، وكذلك الوارث يحل محل الموروث منه فتباح له الإقالة من جميع نصيبه لا من بعضه. وقد عرضنا المنع من إقالته لبعض نصيبه بأن من كان له السلم في الأصل وتولى عقده، إنما منع أن يقيل من بعض السلم حماية للذريعة لئلا يكون أظهر عقدا صحيحا وأبطن أنه يسلف من رأس المال (أقال فيه بشرط منه المسلم إليه المبيع بقي الباقي الذي لم يقل منه) (1). وهذه المواطأة إنما تتصور في عاقد السلم،