تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما إن كان رأس المال شجرا لا ثمر فيها حين عقد السلم، فأثمر وجد الثمرة، فإن الإقالة لا تمنع، لكون رأس المال لم يتغير عنه. وأما إن لم يجد الثمرة فالإقالة تمنع لأجل أن الثمرة وقت الإقالة، إن كانت لم تؤبر ورد الشجرة بعد (4) الثمرة التي لم تؤبر، فقد رد رأس المال، وهو الشجرة المجدودة، وزاد عليها ما بها من ثمر لم يؤبر، وإن استثناه واشترط بقاءه إلى زمن الجداد، فإنه استثناء لا يجوز، لأنا نمنع من باع شجرا فيها ثمر لم يؤبر من استثنائه على ما سيرد بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى. وإن كانت قد أبرت، وأقال على رد الشجر بثمرها، فكذلك أيضا هو زيادة على رأس المال يمنع من جواز الإقالة.

وإن استثناها من عليه السلم واشترط بقاءها إلى الجداد، فإن ذلك أيضا يمنع، لكون رأس المال الذي هو الشجر لم يسلمه إلى من أسلم إليه، بل يتأخر قبضه له إلى جداد الثمرة، وتأخير رأس المال والإقالة ممنوع.

وإن وقعت الإقالة مطلقة فها هنا تنازع الأشياخ: فبعض أشياخي يرى جواز الإقالة لكون سلم الشجر المقيل عليها يطالب بجد ما بها من ثمر حتى يتمكن من تسليم رأس المال إلى ربه من غير تأخير، لكون التأخير يفسد الإقالة، والتعاقد إنما يحمل على ما يجوز في الشرع، وأيضا فإن لفظ الإقالة يشعر برد رأس المال على ما كان عليه، ولا يمكن رده على ما كان عليه إلا بجد الثمرة في الحال.

ومن تقدم هؤلاء من الأشياخ يرى فساد الإقالة لكون بائع شجر فيها ثمر مؤبر من حقه أن يبقي الثمر إلى الجداد، وإن لم يشترط ذلك، وإذا كان من حقه هذا، في البيع وإن لم يشترطه، كان ذلك من حقه في الإقالة، وإذا كان ذلك من حقه في الإقالة فقد دخل على إقالة فيها تأخير رد رأس المال.

وينفصل من حكيت عنه من أشياخي عن جواز هذا بأن الأصل فيه أنه لا يمكن بائع الشجر من بقاء الثمر المؤبر فيه، لأنه إذا أزال الشجر من ملكه لم يملك أن يحمل له ثمرته، كمن باع مخزنا له فيه قمح، فإنه ليس من حقه أن يتمادى على الخزن فيه، لكن جرت العادة في التبايع بإبقاء الثمرة إلى الجداد وإن لم يشترط ذلك أيضا، ولم يجد هذه العادة في الإقالة فأبقيت على الأصل الذي قررناه، مع كون لفظة الإقالة تقتضي رد الشجرة فارغة كما أخذها.

هذا حكم الشجر إذا أسلمت ولا ثمر فيها فأثمرت عند قابضها ثم تقايلا فيها.

وأما إن كانت حين السلم، فيها ثمر، فإنه لا يجوز إسلامها في طعام، كان ثمرها مؤبرا أو غير مؤبر. وإن كان على حال لا يصلح إلا لعلف، فإنه ينتقل إلى ما يكون قوتا للإنسان وطعاما له، فيكون حينئذ قد أسلف طعاما في طعام، ولم يقدر ما بالشجر من ثمر ملغى لا حصة له من الثمر. وذهب ابن

مسلمة إلى أنه إنما يقدر أنه ملغى ما لم تزه الثمرة لكونه قبل الزهو لا يحل بيعه، وإذا لم يحل بيعه على التبقية، (وهو إذا بيع على الجداد لم يكن له ثمر له مقدار يوجب أن يلقى (1)، فإذا أزهى لم يكن بيعا لجواز بيعه حينئذ على الإطلاق فيكون ثمنه له مقدار). وذهب سحنون إلى أنه ملغى ولو أزهى، كحلية السيف، ومال العبد، فإن حلية السيف بفضة هي بيع للنصل لا يحرم ذلك بذهب إلى أجل، لكون الذهب الذي هو ثمن مؤجل أنه (2) ربا عوضا عن النصل، دون ما فيه من فضة. وكذلك مال العبد إذا كان دنانير، واشترى العبد، واستثنى ماله، بدنانير مؤجلة، فإن ذلك يجوز لكون مال العبد لا حصة له من الثمن الذي اشتري به العبد، لا سيما على مذهبنا أن العبد مالك ماله لم يعاوض على المال، وإنما عاوض عن عبد ذي مال. فإن قلنا بمذهب ابن مسلمة وأسلم الشجر وفيها ثمر مؤبر، فانتقل إلى الزهو، أو قلنا بمذهب سحنون فأسلم شجرا فيها ثمر قد أزهى فانتقل إلى اليبس، فإن الإقالة لا تجوز، لأنه إن أبقى الثمر لنفسه وأقال على الشجر مجردة، فإنه قد استمسك ببعض رأس المال الذي أسلم إليه، وهي الثمرة التي كانت مأبورة أو مزهية، والاستمساك ببعض رأس المال يمنع من الإقالة. وإن أقال على الشجر وسلم ما فيها من ثمر، فقد سلم الثمر وهي على حالة أفضل مما أخذها عليه، ونمت في يديه، وصارت الإقالة على أكثر من رأس المال، وقد تقدم أن الزيادة على رأس المال أو النقص منه يمنع من الإقالة. وإن وقعت الإقالة على الشجر بما ينوبها من طعام السلم، فإنا قدمنا الاضطراب في الإقالة في الطعام على بعض رأس المال، لما ينوبه في التقويم.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٨