وكأن شيخي هذا يرى أن القياس أن تكون الغرامة على الولد، ولو كان أبوه موسرا, لأنه أحق بل يجب عليه فداء نفسه وانتقاذها من الرق فكان أولى بالغرامة من أبيه وإن كان موسرا.
وهذا الذي قاله، رحمه الله، لا يطابق التعليل الذي عللنا به وجوب القيمة على الاب, لأنا عللنا ذلك بأن الأب كالجاني على ملك غيره يالحيلولة بينه وبين مالكه، فلهذا وجبت عليه القيمة، والولد لا جناية له في هذا, ولا علاقة بينه وبين إتلاف مال الغير، فلهذا لم يكن أولى بالغرامة خلاف ما أشار إليه شيخنا. وقد اختلف ايضا في تعلق الغرامة بالأب هل هي بشرط أن يكون حيا، أو تتعلق به حيا، وتؤخذ من تركته ميتا, كما اختلف في أم الولد إذا جنت، ومات سيدها، فقيل: التباعة بالغرامة على سيدها إن ترك مالا، وإن لم يترك مالا لم تغرم هي في فداء نفسها شيئا. وقيل: إن الغرامة على سيدها تؤخذ من تركته.
والجواب عن السؤال الرابع ان يقال:
إذا قتل هذا الولد عمدا فإن استحقاق المطالبة بهذا الدم لأبيه، ولاحق للمستحق لأمه في طلب هذا الدم. فأبوه غير بين أن يقتل قاتله (ولا يعتد منه) (1) المستحق، بأن يقال له: قد تعلق لي حق بفكاك ولدك من الرق، فيجب أن يتعلق لي حق بالعوض الذي يؤخذ فيه، وهي ديته. لأن قتل العمد إنما تجب
فيه الدية بتراضي القاتل وأولياء المقتول، وما يحتاج فيه إلى تراضي المتحاكمين فليس بحق ثابت لأحدهما. ولو قلنا بمذهب اشهب، بأن لأولياء القتيل أن يجبروا القاتل على أن يدفع لهم الدية، لكان الانفصال عن هذا الاعتراض بأن أشهب لا يرى الدية حق (1) متعين (1) لا معدل عنه، وإنما يرى أن يملك أولياء الدية أن يتملكوه، ومن ملك أن يملك فلا يعد كالمالك، على إحدى الطريقتين، لا سيما وأشهب يقول: إن القتل لو كان خطأ، وأخذت الدية جبرا من العاقلة، فإن المستحق لا يأخذ منها قيمة الولد، خلافا لما ذهب إليه ابن القاسم من أن المستحق يأخذ من الدية قيمة الولد. وإن قصرت الدية عن قيمة الولد فلا تباعة على الأب. وكأن هذا يلتفت إلى أصل آخر، وهو أن الدية المأخوذة في الحر هل هي كالبدل من عينة والقيمة له، كما تكون قيمة العبد إذا قتل بدلا من عينه، فيحسن على هذا أن يأخذ المستحق قيمة الولد من الدية التي أخذها أبوه من العاقلة. أو يقال إن الدية في قتل الخطأ ليست كالقيمة لشيء مستهلك، كتقويم العبد إذا قتل، فلا يكون بدلا من العين (إذا لم نكن) (2) وإذا لم تكن بدلا لم تؤخذ منها القيمة. وإذا قلنا بمذهب ابن القاسم إن المستحق يأخذ قيمة الولد من الدية المنجمة على العاقلة، فإنما يأخذ القيمة من نفس ما نجم على العاقلة، فإن قصر النجم الأول عن قيمة الولد التي تجب للمستحق أخر طلبه حتى يحل النجم الثاني، فيأخذ حقه منه. وإن قصر أيضا فيؤخر أيضا حتى يستوفي الدية من العاقلة. ولو أنفقها الأب ما رجع المستحق على العاقلة, لأنهم دفعوها لمن لا يستحق قبضها.
ولو قطع عضو من الولد المستحق قبل أن يأتي المستحق فأخذ الأب دية ذلك العضو مثل أن يأخذ دية يد هذا الولد إذا قطعت، فإن المستحق إذا لم يكن
له في دية اليد شيء على مذهب أشهب القائل بأنه لا تؤخذ القيمة من دية الخطأ في قتل النفس، وإنما للمستحق قيمة الولد على أنه مقطوع اليد، وعند ابن التهاسم أنه يحكم للمستحق بقيمة الولد يوم المحاكمة في الاستحقاق على أنه مقطوع اليد،، ثم ينظر ما بين قيمته صحيحا يوم جني عليه وبين قيمته مقطوع اليد ذلك اليوم، فيستحق المستحق لأنه بين أخذ قيمته مقطوع اليد، ما بين قيمته صحيحا يوم قطعت وقيمته مقطوع اليد، يأخذ ذلك من دية اليد، فإن قصرت عنه دية اليد لم يطلب المستحق بزيادة على ما أخذ.
وإن أخذ المستحق قيمة اليد من الدية التي أخذها الأب، وفضل من ذلك فضلة، فقد قال ابن القاسم: إنها للأب.