واعلم أن منشأ الخلاف في هذا، أن من الأقوال ما تكون له نتائج وتلزم عنه لوازم لا ينفك منها. فمن نظر في هذا وجد المدعى عليه يقول المدعي: مالك في الدار شيء، ولكن أدفع إليك هذا العبد تنزها مني عن الخصام. ولا يصح أن يتصور هذا مقتضى قوله: مالك في الدار شيء، أن يكون العبد
معاوضة عن الدار, لأن قوله: مالك فيها شيء، يلزم عليه ويتضمن إستحالة المعاوضة عنها، فيتضح على هذا البناء ما قاله سحنون إذا صرف المعاوضة إلى إسقاط الخصام إلى معاوضة ملك يملك وإذا كان ومعاوضة عن الخصام فقد أسقطه المدعي، وهو متماد على إسقاطه، فصحت المعاوضة، فلا تنتقض بعد هذا. وإن التفت في هذا إلى قول المدعي: إن الدار ملكي، فاللازم على هذا القول ومتضمنه أن المعاوضة بالعبد وقعت عن نفس الدار، وهي نقل ملك عوضا عن ملك، وإذا كان ذلك كذلك وضح ها هنا ما قاله ابن القاسم من رجوع من أخذت الدار من يديه في للعبد الذي دفع، وصار ها هنا حكمان يتدافعان على محل واحد فأيهما يثبت وينفى (1) الآخر.
هذا سبب هذا الخلاف.
وأما الذي في المجموعة فالتفت فيه إلى علة أخرى وهي ما ذكرناه عنه، وهي تعطيل بيتة المدعي، ويكاد للحق هذا البناء ما علم في المذهب في رجل قال لآخر: لك علي دين، فقال المقر (2): ليس لي علمك دين. فإذا نظرت إلى مقتضى كل واحد منهما وجدته كهذه المسألة التي ذكرناها.
وقال أبو بكر ابن اللباد وأبو سعيد ابن أخي هشام: المعروف من مذهب أصحابنا أن الدار إذا استحقت رجع دافع العبد في عبده، وأما إن وقع الاستحقاق (3) ففيه قولان:
ذهب ابن القاسم أنه يعود إلى الخصام في الدار، كما ثبتت الدار للمدعي فباعها بعبد فاستحق العبد، فإنه يرجع في عين الدار إذا كانت ثبتت له قبل الصلح.
وذهب سحنون إلى أنه لا يرجع في محين الدار، ولا إلى الخصام فيها, ولكن يرجع بقيمة العبد، لكون رجوعه في محين الدار غير ممكن, لأنه لم تثبت له،
ورجوعه إلى الخصام إيقاع له في الغرر، والغرر مما يجتنب في الشرع، فلم يبق إلا رجوعه بقيمة العبد، كمن صالح عن دم عمد أو خلع، وما في معنى ذلك. وأيضا فإن الغالب في الصلح على الإنكار أن المدعي لا يأخذ قيمة ما ادعى فيه، وإنما يؤاخذ (1) في ون ذلك اغتناما منه لئلا تصح له الدعوى فيقتصر على قيمة ما أخذ.
ولو ادعى في شقص من دار فصالح المدعي عن دعواه بنصيب من دار، فهل يقضى في هذه المعاوضة بالشفعة أم لا؟ عند ابن القاسم أنه يقضى فيها بالشفعة، بناء على ما قدمناه بأن المعاوضة، وإن كانت وقعت في إنكار الدعوى، فإنها تجري مجرى البياعات. وقال أصبغ لا شفعة في هذا، وكأنه رأى أنها دفع للخصام، والخصام ليس بمال، وما ليس بمال لا يقوم، والشفعة إنما تكون في الحقوق المالية، لا سيما إذا قلنا: إن الهبة لشقص بغير عوض لا شفعة فيه، على أحد القولين، فكذلك فذا يكون أخذ الشقص الذي وقع به الصلح كالهبة. وعلى قول سحنون تكون الشفعة بقيمة الشقص المأخوذ لا يقيمة الشقص المدعى فيه، وكأن الشقص المصالح به لما أخذ بالشفعة صار كاستحقاق، واستحقاق العبد وقع عن مدافعة من خصام في مال فأجري حكمه في الشفعة مجرى المال. ولو وقع الاستحقاق في نصف هذا العبد لكان قابض العبد بالخيار بين أن يرضى بعيب الشركة في العبد، ويمضي الصلح في نصف الدار، ويخاصم في النصف الآخر، أو يقبل نصف العبد عوضا عن دعواه في جميع الدار. فإن قبل نصف العبد عوضا عن جميع الدار فلا مقال لمن في يده الدار، وإن لم يقبل ذلك إلا عوضا عن نصف الدار، وطلب الخصام في النصف الآخر، فإنه ينقلب الخيار إلى من في يديه الدار, لأنه يقول: دفعت العبد على ان لا تخاصمني، فإذا خاصمتني في نصف الدار، وخصامك في نصف الدار كخصامك في جميعها، فلا امكنك من ذلك. هذا البخاري على طريقة ابن القاسم.