وأما على طريقة سحنون الذي يوجب الرجوع بجميع قيمة العبد إذا وقع
الاستحقاق في جميعه، فإنه له رد جميع العبد وأخذ بقيمة جميعه لعيب الشركه فيه.
والجواب عن السؤال الثالث عشر أن يقال:
قد علم أن الغالب في المعاوضات كون الاثمان أحد النقدين، إما دنانير أو دراهم. وواضح أن من اشترى عبدا بدنانير فاستحق المثمون، وهو العبد، أن البيع ينفسخ، ويرجع مشتري العبد بالدنانير أو بالدراهم التي دفعها ثمنا عن العبد. وإن استحقت الأثمان، وهي الدنانير أو الدراهم، ينفسخ البيع، ووجب على المشتري غرم الثمن ثانيا, لأنه إنما وقع (1) على البيع على أن الثمن في ذمة المشتري، فإذا عينه بالدفع وأخذ كان على المشتري خلفه. ولكن إذا لم يدفع المشتري الثمن حتى رضي، هو والبائع، بأن يأخذ عن الثمن، الذي هو الدنانير أو الدراهم، عوضا، مثل أن يبيع عبدا بمائة دينار فيتراضيان على أن يأخذ عنها ألف درهم، فإن الاستحقاق ها هنا في الطرف الأول والآخر، ولا يتصور في الواسطة, لأن العبد المبيع يمكن أن يأتي فن يستحقه فيأخذه، فيبطل البعير فيه، ويمكن أيضا أن يأتي من يأخذ الدراهم التي أخذت صرفا عن المائة دينار ويستحقها بعينها، وأما الدنانير التي في الذمة ولم تخرج من الذمة فلا يمكن أن يقع فيها استحقاق. فإن وقع الاستحقاق في العبد المبيع بمائة دينار ثم أخذ عن المائة دينار ألف درهم، فإن البيع في العبد انفسخ بالاستحقاق، (ولو كان ثمن العبد مائة دينار) (2). فإذا بطل المثمون، وهو العبد، بطل الثمن الذي هو المائة دينار، فلو كان المشتري دفعها لرجع بها ولكنه لما لم يكن دفعها كان الأصل ان يرجع بها على البائع وتبقى الدراهم للبائع. لكن نقلنا (3) عن هذا الأصل للاحتياط للربا لأن البيع في العبد كان بمائة دينار ثم دفع عن المائة دينار ألف درهم، فلو أوجبنا رجوع مشتري العبد بمائة دينار يوم الاستحقاق، وقد كان
تقدم عقد الصرف ودفع الدراهم منذ أيام، لحصل من أمرهما أنه دفع بالأمس دراهم وأخذ اليوم عنها ذهبا، وهذه صورة الصرف المستأخر، فوجب أن ينتقل عن الأصل، ويرجع مشتري العبد بما نقده.
ولو وقع البيع للعبد بمائة دينار، فتراضيا على أنا أخذ بدلا عن المائة دينار جارية، فاستحق العبد، فباستحقاقه انفسخ البيع فيه، (1) بطل الثمن وهو المائة دينار، وبطلان الثمن كاستحقاقه، وهو ثمن الجارية، وقد قررنا أن استحقاق المثمون لا يبطل العقد، بل يجب خلفه، فعلى آخذ الجارية عوضا عن المائة دينار أن يخرم ثمنها لما وقع الاستحقاق، والبطلان في ثمنها بإبطال المثمون، إلا أن يعلم أن بائع العبد، الذي أخذ الجارية، أخذها بثمن بخس طلبا للتخلص ممن اشترى منه العبد، وترفها عن اقتضائه، ومخافة عن مخاصمة غرمائه، فيكون الحكم ها هنا، إذا تيين ذلك، وإنه هو العقد، أنا يرجع بائع الجارية فيها بعينها، أو بقيمتها إن فاتت لأنه إنما اخذها بثمن بخس، على أن وهب بعض الدنانير التي له على بائعها. فإذا بطلت الهبة لكون الثمن بطل باستحقاق العبد بطل العقد في الجارية لبطلان بعض الثمن الموهوب، وهو معين لا يلزم خلفه كما يلتزم (2) خلف الأثمان إذا استحقت. هذا حكم الاستحقاق في الطرف الأول وهو العبد.
وأما الاستحقاق في الطرف الآخر، وهو دراهم أخذت عن دنانير، أو جارية أخذت عن دنانير، فإن الدراهم إذا استحقت بطل الصرف فيها، وإذا بطل الصرف فيها بقيت الدنانير في ذمة مشتري العبد، فعليه أن يغرمها لبائع العبد منه.
وأما إن كان الطرف الآخر جارية فاستحقت، فإن البيع يبطل فيها، ويرجع مشتريها، وهو بائع العبد، بمائة دينار التى عقد بها بيع عبده. ولا يبالي ها هنا يكون الجارية أخذت بثمن بخس, أو بقيمتها لأن البائغ اشتراها من المشتري
لعبده بالمائة دينار، التي لك (1) على مشتري عبده، ومن اشترى جارية بمائة دينار، وهي تساوي خمسين دينارا, فاستحقت من يده، فإنه يرجع بجميع ثمنها، وهي المائة دينا، ويبطل مالحقه من الغبن فيها, لأنه غبن لأجل ما اشتراه، فإذا بطل ما اشتراه بطل عنه ما غبن فيه.