تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك يجري الخلاف في تصديقه في التاريخ الذي وقع فيه البيع، إذا اختلفت الأسعار باختلاف التواريخ، فإن بهان سعره يوم يضمنه وهو يوم القيام عليه بالاستحقاق أرفع من سعره في التاريخ الذي زعم أنه ضاع فيه فإنه لا يصدق فيما يزعمه من نقص القيمة الواجبة عليه، على القول المشهور، ويصدق على مذهب أصبغ.

والجواب عن السؤال الثاني عشر أن يقال:

إذا كان بيد رجل دار، فأتى رجل فادعى انها له، فلا يخلو من قسمين: أحدهما: أن يصدقه في دعواه من الدار في يديه.

والثاني: (1) ينكر ذلك عليه.

فأما إن صدقه في دعواه فالحكم تسليمها للمدعي. فإن تراضيا بأن يدفع من في يديه الدار بالعبد (2) ويسلم الدار مدعيها إلى من هي بيده، فأصل المذهب ومقتضاه أن هذا يجري مجرى البياعات. في حكم الاستحقاقات، فيرجع كل واحد منهما، إذا استحق ما في يديه، في العوض الذي عاوض به، فإن استحق

العبد رجع المستحق من يده العبد في عين الدار من غير خلاف، كما لو باع عبدا بدار، فاستحق العبد، فإنه يرجع في عين الدار. وأما إن استحقت الدار فالمعروف من المذهب أن من أخذت الدار من يديه أنه يرجع فيأخذ العبد الذي دفعه عوضا عنها. وقيل: لا يرجع في العبد، ولا مقال له في هذا الاستحقاق، لأنه لما صدق المدعي وأقر بأن الدار ملك له تضمن اقراره هذا تكذيب بينة المستحق للدار الطاري عليها، وإذا كذبت بينة المستحق فقد صار معترفا بأن الدار أخذت من يده بغير حق بل بحكم الغصب، ومن اشترى دارا فغصبت منه بعد أن قبضها، فإنه لا مرجع له على بائعها بإجماع، فكذلك هذا.

من هذا الأسلوب في هذا المعنى الاختلاف المشهور فيمن أودع وديعة عند رجل، فأتى رجل ممن (1) عنده الوديعة فقال: فلان أرسلني إليك لنقبض منك الوديعة التي أودعك فدفعها إليه، فأتى المودع فكذب الرسول، وقال: لم أبعثه إليك، واستغرم الوديعة دافعها في تعديه في الدفع لما أودعه، فأراد المودع لما أغرم الوديعة ليرجع بها على قايضها، فقيل: يمكن من ذلك، وكأن من ذهب إلى هذا رأى أن مجرد الدفع لا يقتضي تصديق الرسول تصديقا مطلقا، وإنما صدقه بشرط أن يأتي صاحب الوديعة فيصدق الرسول، فإذا كذب الرسول فإنه له أن يرجع على الرسول بفقد ان الشرط الذي دفع الوديعة عليه. وقيل: لا مرجع له على الرسول, لأنه كالمصدق له في الظاهر والباطن، ومعتقدا أن صاحب الوديعة ظلمه في غرامتها، فلا يظلم هو غيره.

واعلم أنه لو وقع للتصريح (2) حين الدفع بأحد هذين الوجهين، إما كون دافع الوديعة يقول: أدفعها إليك بشرط أن يأتي صاحبها فيصدقك، فإن أتى فكذبك أعدتها إلي، فهذا لا يختلف أن الدافع إذا غرمها رجع بها على الرسول.

أو يقول: أصدقك في الظاهر والباطن، فإبئ أتى صاحبها فغرمنيها فإنه ظلمني وظلمك، فلا رجوع لي عليك. فهذان الوجهان لا يحسن الخلاف فيهما. وإنما

يحسن الخلاف في الدفج مطلقا، هل يحمل على هذا الوجه أو على الوجه الآخر؟ وقد قال الطحاوي: مذهب أهل المدينة وابن أبي ليلي أن الصلح على الإقرار لا يرجع المقر مدعى عليه بما دفع إليه إذا وقع الاستحقاق فيما أقر به المدعى عليه، هذا حكم الاستحقاق (الاعواض في الدعاوي) (1) إذا وقع الإقرار بصحتها.

وأما إذا وقع الاستحقاق، والمدعى عليه متماد على الإنكار، وعاوض عن المدعى فيه، وهو منكر للدعوى مكذب لها، فإنه إذا استحق ما في يد المدعى عليه، هل ترجع فيما دفع أم لا؟ فيه ثلاثة أقوال، مثاله أن يدعي رجل دارا في يد رجل، فينكر المدعى عليه ما أدعاه المدعي، ثم يتراضيان على أن يدفع إليه عب"، ويترك خصامه في الدار، فيستحق الدار فإن ابن القاسم ذكر عنه أنه يرجع في العبد الذي دفع إن كان قائما، أو قيمته إن فات. ومذهب سحنون أنه لا يرجع في العبد قائما أو كان فائتا. والقول الثالث ذكره في المجموعة، وفصل فيه القول بين كون الاستحقاق وقع بقرب من هذه المعاوضة ودفع العبد، ويين أن يقع الاستحقاق إذا طال الزمان، فرأى أنه يرجع في القرب، كما حكيناه عن ابن القاسم، وبعد طول الزمان لا يرجج، كما حكيناه عن سحنون. واعتل الذاهب إلى هذا بما يقع بالمدعي من الضرر الذي بسبب من استحقت الدار من يده، بأن يقال: كنت أتمادى على خصامك بأخذ الدار من يديك ببينة تشهد لي بما يوجب ذلك، فلما دفعت إلى العبد أهملت السعي في بينتي وتحصيل شهادتهم، وسبب ذلك دفعك العبد إلي، فليس لك مرجع علي مع كونك سببا في تعطيل شهادة بينتي.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٧٧