تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعندنا روايتان في القاضي إذا حكم بشهادة من اعتقده أنه عدل، ثم بعد الحكم ثبت إنه كان مستجرحا هل له نقض حكمه أم لا؟ وقيل في هذا: إنما يحسن الخلاف فيه لأن تعديل الشهود كان عنده بالظن أن الشهود المعدلين صدقوا، فالتجريح بعد ذلك مبني أيضا على إن الشحهود المجرحين صدقوا، ولا يرد ظن يظن، وقد أتفق على أن القاضي إذا حكم بحكم أخطأ فيه النص الجلي أن حكمه يرد لأجل القطع على خطئه.

وإذا قدم المفقود حيا، أو المشهود بموته قدم أيضا حيا، فإن الخطأ في

الحكم مقطوع به أيضا. ولعلنا أن نتكلم على هذه المسائل كل مسألة في الكتاب الذي وضعت فيه في المدونه، ومما يلحق بهذا ما ذكره في المدونة في رجل بني لرجل يناء، فأتى رجل فأثبت أن الباني مملوك له، فقال: يرجع المستحق بقيمه إلبناء على من له البناء، وصار العبد كغاصب وهب ما في لديه عن (1) ملك غيره لرجل فانتفع به الموهوب له وأفاته، فإنه قد قدمنا الاختلاف فيمن يبدأ المستحق بالرجوع عليه، هل الواهب أو الموهوب، أو يخير بينهما؟

وهذا الخلاف في الرجوع على الغاصب والبداية ترتفع (2) ها هنا, لأن العبد الواهب لمنافعه إذا أتبعه سيده يقيمتها، وما في لديه من قيمتها مال لسيده، فكأنه لم يأخذ غرامة. عن أحد، بخلاف الغاصب إذا وهب فإن المستحق إذا بدأ به أخذ مال غيره.

وهذا واضح، ولكن حمل ابن المواز المسألة على أن السيد إذا وجد البناء قائما. ولو وجده مهدوما لم يرجع على صاحب البناء بشيء، وقدر أن العوض عن البناء إنما يستحقه السيد إذا كان البناء موجودا فسلمه لمن بني له، فإذا كان معدوما فإئه لم يسلم للباني ما يطالبه بعوضه. وكأنه رأى أن التعليق (3) إذا ذهب فكأن الذي بني له لمن (4) يتسلم ما يكون عوضا للمنافع.

وقد قيل في الصاتع إذا فرغ من الصنعة فضاع الثوب المصنوع عنده ببينة، إنه لا أجر له، وإن كانت حركاته قد فاتت وكأنه أودعها في الثوب. وسنبسط الكلام على هذه المسأله في كتاب تضمين الصناع.

ومما يلحق بهذا ما يحدثه المشتري يوجه شبهة: من اششرى دارا فهدمها

فإن المستحق إذا أتى لا يطالبه بقيمة الهدم, لأنه غير متعد في الهدم، وإنما هدم ما ظنه ملك نفسه لمصلحة، فلم يضمنه.

وكذلك الخلخال لو كسره لم يضمن كسره. وأما لو كان ثوبا فقطعه فإن ابن المواز رأى انه يضمن قيمته القطع. وكذلك لو كانت فضة فكسرها فإنه يضمن قيمة ما أفسده. والفرق يينهما بأن الدار إذا هدمت يمكن أن يعاد البناء لهيئته، والثوب إذا قطع لا يمكن أن يعاد لهيئته.

وهذا الفرق لا يتضح، ولا مناسبة بينه وبين الأصل الذي يتفرع منه هذا وغيره. وظاهر المدونة أنه لا يضمن الثوب أيضا إذا قطعه. والأصل الذي يناسب هذا الفرع وأمئاله أنا قدمنا مرارا أن الخطأ والعمد في أموال الناس سواء، ما لم يقارن الخطأ اذن خاص، فإنه اختلف فيه على قولين: هل يلزم به الضمان أم لا, وهذا الأصل يجري لك الخلاف في الدار إذا هدمت، والثوب إذا قطع.

ومما يلحق بهذا لو اشترى أمة بكرا فافتضها، ثم أتى من استحقها، فإنه لا يخرم ما نقصها الافتضاض عند مالك وابن القاسم، ويضمنه عند سحنون.

وهذا أيضا يجري على هذا الأصل الذي ذكرناه ها هنا ولكن بع وإسناده إلى أصل آخر، وهو أنه قد تقرر (1) المشتري إذا انتفع. بما اشتراه، مثل ان يكون ثوبا لبسه حتى أبلاه، ثم أتى مستحقه، فإنه يغرمه قيمته، لكون أنه انتفع بمال غيره، وصان بذلك مال نفسه. وإذا. لم ينتفع به وأتلفه غلطا ففيه القولان المذكوران، فينظر في الوطء هل هو يجري مجرى اللباس للثياب، والطعام في الفوت، فيكون المشتري ضامنا للافتضاض، أو يلحق بما لا منفعة فيه فيجري على الأصل الثاني (2) إتلاف المال خطأ بإذن.

والجواب عن السؤال العاشر (1) أن يقال:

أما من اغتل ما في يديه ثم استحق عليه، فلا يخلو من أن يكون اغتل بوجه شبهة، معتقدا لإباحة اغتلاله، أو لإباحة انتفاعه بنفسه فيما في يديه، أو معتقدا تحريم ذلك عليه.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٧٣