تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك اعتذر القاضي إسماعيل عن هذه التفرقة بأن قال: إنما فرق مالك بين كون الشهود تعمدوا الزور، أو شبه عليهم، إذا كان الورثة هم الذين تلوا (1) بيع مال الميت. واما لو حكم بذلك الحاكم لم يفترق الحكم بين كونهم شهدوا بالزور أو شبه عليهم.

وهذا الذي تأولوه نص على خلافه في المدونة, لأنه ذكر في تمثيل كون الشهود شبه عليهم، قال: أو شهدوا عند القاضي على شهادة قوم أشهدوهم.

بنص (2) على التفرقة وإن كان ذلك بحكم. وغير الشيخ أبي القاسم السيوري من الأشياخ الحذاق يرى ما رأى من الفرق لا يتصور، فاقتصر على اعترافه بذلك، ولم يتكلف فرقا ولا تأويلا، لكن قصارى ما يمكن عنده أن يقال في هذا: إن الشهود إذا تعمدوا الزور صاروا بشهادتهم كمن غصب مال هذا الذي قدم حيا فباعه، فإن لمستحقه أن ينقض البيع، وينقض العتق أيضا، بخلاف كون الشهود شبه عليهم, لأنهم إن شبه عليهم لم يحلوا محل الغصاب لهذا المال، فلم يرد اذن تغير.

وهذا أيضا لا يتضح, لأن التعويل، إن كان على حكم القاضي، فالقاضي لم يخرج في حكمه، ولا تعمد باطلا، بل ماجوز (3) في حكمه فلا يلتفت إلى ما وراء ذلك من كون الشهود تعمدوا الكذب أو لم يتعمدوه. وإن كان الحكم لا تأثير له فكذلك أيضا يجب للمستحق أخذ ماله وإن تغير, لأنه لم يأذن في التصرف فيه، وقد بيع ملكه عليه بغير إذن منه غلطا من بائعه، فإنه لا ينبغي (4) ملكه لهذا البائع.

والنكتة التي يجب أن ينظر فيها في. هذه المسألة أن الحاكم (1) ها هنا بما ظاهره الصواب والحق وباطنه خطأ وباطل، فهل يغقب حكم الظاهر على حكم الباطن فتنفذ الأحكام، أو يغلب حكم الباطن على حكم الظاهر فترد الأحكام؟

هذا هو وجه التحقيق عندي في المسألة.

وهذه النكتة يجري عليها فروع كثيرة قد اختلف بعضها أهل المذهب، وقد عرف أن المشهور من المذهب في امرأة المفقدد إذا حكم بتمويته ثم قدم حيا، وقد تزوجت رجلا بني بها، أنها لا ترد إلى الأول. واختلف قوله إذا جاء المفقود حيا، وقد عقد نكاحها ولم يدخل الزوج الثاني بها، هل يفسخ النكاح أم لا؟ وقال في المنعى (2) لها زوجها انها ترد إليه إذا قدم حيا، وإن دخل بها الزوج الثاني, لأن هذه لم يجتهد في أمرها، فيقول على حكمه في الظاهر بالصواب وإن كان خطأ في الباطن.

وكذلك إذا حكم الحاكم بطلاق امرأة على زوجها لأجل عدم الإنفاق، فأتى الزوج فوجدها قد تزوجت، فأثبت أنه قد ترك لها الإنفاق.

وكذلك إذا شهد عليه بأنه قال: زوجتي عائشة طالق. فادعى أن له (3) بلد آخر بعيد زوجة أخرى تسمى عائشة، وهي التي قصد طلاقها، فلم يقبل دعواه، فتزوجت عائشة المحكوم بطلاقها ثم أثبت ببينة أن له ما ادعاه من زوجة تسمى عائشة.

وكذلك إذا باع القاضي سلع رجل غائب في دين قضاه لمن أثبت الدين على الغائب، ثم أتى الغائب فأثبت أنه قد قضى الدين. فقد قيل: إن هذا الغائب يمكن من أخذ سلعه المبيعة إذا دفع للمشتري ويرجع مشتريها على من دفع إليه

الثمن. وكان بعض أشياخي يرى أن مقتضى قول مالك أن يكون للغائب إذا ثبت أنه قد قضى الدين، وأرتجع ما بيع (1) انه طلب باطلا فأشبه شهود الزور، وفي هذا الذي قال نظر؟ وكان أيصا يرى أن ما ذكره في المدونة أن الموصى إفا انكشف أنه مملوك يعد نفوذ وصاياه لا يحسن الخلاف فيه، ويمكن من رد الوصايا لأن الحكم لم يقع عليه، وإنما وقع على غيره، بخلاف من حكم موته فجاء حيا.

وفي المجموعة في من جعل أكثر زوجته بيدها إن غاب عتها مدة معلومة، "فاختارت الفراق لأجل غيبته، وحكم لها الحاكم بذلك, فأثبت أنه لم يغب: أنها ترد إلى عصمته، ولو دخل بها الثاني. وكان شيخنا أبو محمد عبد الحميد يرى ان هذه المسائل يعتذر (2) فرق واضح بين بعضها عن بعض، والخلاف يحسن أن يجري في جميعها من بعضها في بعض. على أنه قد قيل في امرأة المفقدد: إن القاضي لما حكم على زوجها المفقود، بالفراق، وكان متعرضا في حكمه إلى جواز الخطأ عليه، وأنه قد لكون حيا, فتجويره لهذا صار كالحكم بإمضاء الخطأ الذي ينكشف في ثاني حال وقوعه منه.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٧٢