تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا لأن المستحق لعين الشيء لم يأذن لمن هو في يديه أن يتصرف فيه، ولا سلطه، على حرثه والتصرف فيه، ولا أذن له في ذلك، فكان من حقه أن لا يفيت الأرض بحرث لم يأذن فيه، ولم يسلط المكتري عليه، بخلاف الحكم بين المكري والمكتري فإن المكري قد سلط المكتري على حراثة الأرض والتصرف فيها، فليس له أن يبطل حكم تصرف أذن فيه وسلط المتصرف عليه.

وهكذا لو اشترى رجل عبدا فأعتقه، ثم أتى مستحق عين العبد، فإن له أن يبطل عتق المشتري لكونه لم يسلط المشتري على التصرف، فكان له رد العتق.

ولو أنه أجاز بيع العبد، وأراد أن يأخذ عوضه، وكان عوضه جارية أعتقها من هي في يديه، فهل له أن يرد عتقها ام لا؟ هذا على القولين المتقدمين: ففي الموازية: يحل محل من استخق عين الجارية، فيرد عتقها. ولو استولدها من هي من يديه لأخذها وقيمة ولدها.

وخالفه سحنون ورأى أن من أجاز بيع ما استحقه، واراد أن يأخذ عوضه، فوجده في يد مشتريه قد حال سوقه، فإنه يمنع من أخذه. كما يكون الحكم بين

البائع والمشتري إذا استحق ما في يد أحدهما، وأراد أن يرجع فيما دفع، فوجده قد حال سوقه، فإنه يمنع من أخذه بعينه، وإنما له أخذ قيمته.

وهذا عندي يجري على الأصل الذي ذكرناه مرارا، وهو المترقبات إذا حصلت هل يعد حصولها يوم وجودها، وكأنها فيما قبل كالعدم، أو يقدر أنها لم تزل من حين حصلت أسبابها التي أثمرت أحكامها وأسند الحكم إليها، فإن قلنا: إنها إنما يقدر حصولها يوم المحاكمة، وفيما قبل ذلك هي كالمعدومة، فإنه تقوى ها هنا طريقة ابن المواز. وإن قلنا: إنه أجاز العقد فكأنه لم يزل ماضيا، فكأنه كالإذن في التصرف، فتقوى طريقة سحنون وبالله التوفيق.

ومما يلحق بهذا الاسلوب ما ذكره في المدونة فيمن أوصى بوصايا فأنفذها الوصي، ثم أتى من أثيت أن الميت الذي وصى مملوك له، وحكم له بذلك، فإنه إن كان الميت مشهورا بالحرية فلا تباعة على الوصي، ولا تلزمه غرامة ما أنفذه من وصاياه. ولو باع في وصاياه سلع الميت لكان لمن استحق رقبة الميت أن ينقض البياعات إذا لم تتغير السلع في يد من اشتراها, ولكن بعد أن يدفع أثمانها لمن اشتراها من الوصي. وكذلك قال فيمن شهد شهود بموته على مشاهدة شخص ميتا، كقتيل قتل في معترك، فإن الشهود الذين حكم القاضي بشهادتهم إن كان تعمدوا شهادة الزور (ترد فيما باع من تركته، و) (1) كانت باقية في أيدي مشتريها لم تتغير، أو كانت فاتت أو تغيرت. وأما إن اشتبه عليهم بأن رأوا شخصا؟ ميتا فاعتقدوا أنه فلان الذي شهدوا بموته أو تقلوا ذلك عن شهود أشهدوهم على شهادتهم، فإن البياعات ماضية إذا تغيرت في يد مشريها، وإن لم تتغير فللقادم الذي شهد بموته أن يأخذها من يد مشتريها بعد أن يدفع إليه الثمن.

وأما زوجته فترد إليه في القسمين جميعا، تعمدوا الزور في شهادتهم أو كانوا شبه علمهم، فأمضى العتق في المدونة إذا كان الشهود شبه عليهم، ولم

يمضه إذا كان تعمدوا الزور. وفرق بين حكم الزوجة وحكم البياعات، ولم يفرق يينهما إسماعيل القاضى في الميسوط، ووأى أن الحكم يزول (1) عصمة الزوجة نافذ إذا زوجها (2) آخر، فأمضى الحكم وإن كان غلطا في الباطن في الزوجة والمال, وإن اختلقت الحرمة فيهما.

وكذلك قيل أيضا: إن العتق يرد، ولو كان الشهود شبه عليهم. فصار في امضاء العتق قولان، وفي امضاء الحكم. بزوال العصمة عن الزوجة قولان: فالتفرقه بين الزوجة والبياعات عند من ذهب إلى هذه الحرمة (3) الفروج والاطلاع على العورات وانتشار الحرمة والمصاهرات، والتسوية بين العصمة وبياعات السلع لم. لأجل نفوذ الأحكام بما هو صواب في الظاهر.

واعلم أن هذه قاعدة التفرقة بين كوفي الشهود شهدوا وقد تعمدوا الزور، أو شهدوا غلطا منهم، قد اتفق المحققون أنه لا يتصور فيها فرق واضح بين حالتي الشهود حتى (إذا مد اليح) (4) الشيخ ابا القاسم السيوري إلى أن قال في هذا وفي غيره من أمثاله الذي لا يتصور قيها فرق: إنهما قولان جمعا في التأليف، وكأن السامع سمع تخصيص السائل لمالك بأن الشهود تعمدوا الزور، فقال: تنقض الأحكام المبنية على شهادتهم. ولو سئل حينئذ سؤالا مطلقا غير مقيد بتعمد الزور لأجاب بنقض الأحكام. وسئل مرة أخرى، وقد قيد له السؤال بشهادة شهود شبه عليهم؟ فقال: تمضي الأحكام. وقد (5) أطلق السؤال حينئذ لقال أيضا تمضي الأحكام. وهذا هروب من الاعتراف بأنه لا يتضح له فرق إلى ما يوقع الرواة في جهالة أو تكذيب.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٧١