تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولو كانت الدار إذا انهدمت بقي من نقضها ما يوفي بالنقد الذي يأخذه المستحق لارتفعت علة التخوف منه، وكان من حقه أن يأخذ النقد.

وإذا تقرر أنه بالخيار بين أن يجيز العقد أو يفسخه، فإنه بأن (1) لا يمضي العقد إلا بعد علمه بمقدار ما ينوب ما مضى من شهور السنه التي لا حق له في غلتها وما ينوب المشهور التي تبقى من السنة التي يستحق هو غلتها, لأنه إذا أجاز ذلك صار (2) ملك الفسخ فاستأنف الإجارة بثمن مجهول. وهذا الأصل مختلف فيه: يمنعه ابن القاسم، ويجيزه غيره.

وكذلك الخلاف في جمع رجلين سلعتيهما في عقد واحد من غير معرفة كل واحد منهما ما ينوبه من الثمن. وعلى هذا خرج الاشياخ الاختلاف في هذه المسألة من إلاختلاف في جمع السلعتين.

وكان بعض أشياخي يرى أن هذه المسألة ليست كمسألة جمع السلعتين، لأن هذا إذا أجاز عقد المكري، فكأنه صار وكيلا له، والوكيل له أن يبيع بثمن لا يعرف حده الموكل، لا سيما علي القول بأن المترقبات إذا وقعت فإنه يقدر وقوعها يوم الأسباب التي انقضت أحكامها، وإن تأخرت الأحكام عنها، وقد قدمنا هذا مرارا.

ومما ينخرط في هذا السلك مكتري دار فاستحقت منها بيت، أو استحق منها جزء معلوم، كنصفها أو ثلثها مما يلحق المتكرى ضرر باستحقاقه ومشاركته في السكنى، فإن المكري إذا كان له الرد فلا تنبغي له الإجازة إلا بعد أن يعلم مقدار ما يلزمه فيما يستحق، على أحد القولين اللذين ذكرناهما الآن.

وقد وقع في المدونة في هذا السؤال، لغير ابن القاسم أنه لو استحق نصف الدار أو ثلثها لم يكن للساكن أن يتمسك بما بقي لأنه يكون تمسك بمجهول.

وتأول سحنون أن مراد غير ابن القاسم بما قاله كون المشهور تختلف قيمتها، فلا يتصور ما اعتل به الغير، إلا أن تكون المشهور تختلف قيمتها. وأما إذا تساوت قيمتها فلا شك أن ما استحق معلوم، وما بقي من السنة معلوم, لأن من اكترى دارا بعشرة دنانير فاستحق نصفها فإنه معلوم أن ما سكن، وهو نصف السنة، تنوبه خمسة دنانير، وكذلك تنوب الخمسة الباقية، فما اعتل به غير ابن القاسم من الجهالة لا يتصور ها هنا.

وهذا الاستدراك الذي استدركه سحنون على ما قاله غير ابن القاسم تدارك (1) أيضا الشيخ أبو محمد بن أبي زيد على تأويل سحنون على أنه سكن بعض السنة، والشهور تختلف، بهذين (2) الشرطين تتصور الجهالة التي أشار إليها غير ابن القاسم.

وأما إذا لم يسكن، والشهور مختلفة، فإن اختلافها لا تتصور معه الجهالة, لأنه يبدأ بالنصف، الذي لم يستحق من أول السنة، فيسكنه إلى آخرها، فلا تصور ها هنا جهالة.

ومما يلحق بما نحن فيه أن المستحق إذا أجاز العقد، فهل يحل محل المكتري (3) الذي تولى العقد أم لا؟ مثاله أن يكري رجل أرضا بعبد أخذه من المكتري، فأتى مستحق استحق العبد وأخذه من يد مكري الأرض، فإن الكراء ينفسخ من مكري الأرض ومكتريها, لكون صاحب الأرض إنما رضي بكرائها بعبد بعينه لغرض له فيه، فإذا استحق العبد رجع فيما أعطاه عوضا عن العبد، وهي منافع الأرض التي أكراها. وهذا إذا لم يكن المكتري أفات الأرض بأن زرعها ولا بأن حرثها، فإنه إن كان المكتري زرعها أو حرثها، فإن ذلك فوت فيما بين المكري والمكتري. وإنما لمكتري الأرض أن يرجع بقيمة كراء السنة

التي وقع العقد عليها. وأما إن أتى من استحق العبد فلم يأخذه، وقال: أنا أجيز العقد، وآخذ عوض العبد، وهي منافع العبد، وأحل في ذلك محك مكتريها إذا ارتجعها. فأما إن وجد المكتري قد زرعها، فذلك فوت، وليس له ارتجاع الأرض، لما يتضمن ارتجاعها من إفساد زراعة المكترى وأما إن وجدها لم يزرعها المكترى، ولكنه قبلها (1) فإن فيه قولين:

أحدهما: إن ذلك فوت أيضا في حق المستحق، كما كان فوتا فيما بين المكري والمكتريء والقول الثاني: إن ذلك ليس بفوت، وللمستحق أن يعطي الحارث قيمة حرثه، ويأخذ الأرض. فإن أبى أعطاه الحارث قيمة كراء السنة.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٧٠