تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذه الطريقة بعيدة عن ظاهر الروايات، ألا ترى أن ابن القاسم قال، فيمن اشترى ثوبا فوهبه لمن لبسه حتى أبلاه: إن الواهب لا يضمن. وقال في المدونة، في كتاب كراء الدور والأرضين, في الوكيل إذا وكل على كراء دار فحابى: إنه يضمن.

وهذا مما غر أصحاب هذه الطريقة، ورأوا أن الفرق بين المسألتين كون المجموعة (1) وقعت في مشتر بذل عوضا فوهب، ومسألة كراء الدور والأرضين وقعت في وكيل لم يبذل عوضا. وقد نص ابن القاسم في المدونة، في كتاب القسم، على فساد هذه الطريقة، فقال، فيمن وصي له بثلث دار، فأتى فوجدها قد فاتت في يد الورثة بهدم: إنه لا يضمن الورثة قيمة الهدم، قال: ألا ترى أن مالكا قال، فيمن اشترى دارا فهدمها، ثم أتى مستحقها: أنه ليس له تضمين المشتري قيمة الهدم. فاستشهد بنص مالك في المشتري على من ملك الشيء بغير عوض. ولو كانا يفترقان عنده، كما أشار إليه بعض الأشياخ، لم يكن لاستدلاله وجه، ولم يساو بين مسألتين مفترقتين، على رأى هؤلاء المتأخرين الذين أشاروا إلى ما ذكرنا.

وإنما التحقيق ما قدمنا مرارا من أن الخطأ والعمد في إتلاف أموال الناس سواء، إلا أن يكون المتلف له إذن خاص فيختلف فيه. وقد ذكرنا مثل هذا في مسائل.

ومما يلحق بهذا حكم اغتلال الوارث لما ورثه، فإنه متى طرأ عليه وارث يستحق جميع ما في يديه، ويحجبه عن الميراث، كولد طرأ على الأخ، أو طرأ عليه وارث فشاركه فيما ورث، كأخ طرأ على أخ، فإنه يطلب القادم من قبض الميراث واغتله بما اغتل، بخلاف المشتري إذا اغتل فإنه لا يرد الغلة لكونه بذل عوضا فيما اغتله، فلا يجتمع عليه حرمان انتفاعه بالعوض الذي بذل، وحرمان الاغتلال، وأيضا فإنه لو هلك ما اشتراه في يديه لم يرجع بالثمن، وكان ضمان الثمن منه. وقد قال عليه السلام: "الخراج بالضمان" (1) والوارث لم يبذل شيئا، فيكون ضمانه منه، ولا حرم التجر بثمن يحسن أن يرجع بالغلة. وكذلك الحكم في هذا الوارث لو لم يغتل، ولكنه لو سكن أو زرع، فإن للوارث القادم أن يرجع عليه بقيمة ما انتفع به.

هذا هو الأصل في المذهب، وهو الذي قاله ابن كنانة. لكن ابن القاسم فرق بين انتفاعه بنفسه، واغتلاله، فقال: يرد الغلة، ولا يؤدي كراء ما سكن، إذ قد يكون في نصيبه ما يكفي، عن سكنى نصيب أخيه. فكأنه لم ينتفع بمال أحد ولا هو غاصب له، فإنه لا يغرم عن منافعه عوضا. وهذا يقتضي انه لو طرأ وارث حجبه حتى لا يرث شيئا، فإن للوارث القادم أن يطلبه بقيمة ما انتفع به، لارتفاع العلة التي ذكر ابن القاسم من كون (2) إذا شاركه في الميراث فإنه يمكن أن يكتفي بمقدار نصيبه الذي ورث.

والجواب عن السؤال التاسع (3) أن يقال:

إذا اشترى دارا فأكراها فأتى مستحق فاستحقها فله فسخ العقد فيما لم يفت من المدة، وكراؤه لمن اشترى الدار فأكراها، كما تقدبم بيانه، (4) لو كان

الذي اكراها شرط نقد جميع الكراء حين العقد، فلما جاز (1) المستحق ما فعله المكتري من عقد الكراء بالنقد قال المكتري: إنى أتخوف ميت المستحق، أن يبطل الكراء بما يطرأ على الدار، ولا نجده (2) عند المستحق مالا أرجع فيه، فلا أقبل منه إجازته الكراء، فإن في المدونة: لا مقال له إذا كان المستحق مأمونا ولادين عليه، وإن لم يكتب مأمونا أو عليه دين كان من حى المكتري أن يسترد النقد، ويقال للمستحق: تجيز العقد على أنك (3) تنتقد ما انتقده المكري وإنما تأخذ بحساب ما سكن المكتري أو تفسخ الكراء. وقد تعقب الأشياخ ها هنا كون المستحق عليه دين, لأنه لو فلس، وأحاطت الديون بما في يديه، كان الساكن أحق بسكنى الدار من سائر غرماء المستحق فلا يلحق الساكن ضرر لكون المستحق مديانا. وأما التعليل يكون الدار مخوفة فإنه لا يجوز اشتراط النقد في الدار التي يخاف سقوطها، وبطلان عقد الكراء فيها، كما لا يجوز كراء أرض غير مأمونة ويشتوط النقد فيها، على ما سيرد بيانه في كتاب الدور والأرضين، إن شاء الله. لكن لو كان النقد تطوعا من المكتري، وأراد بهذا التطوع مكارمة الذي أكرى الدار منه، لم يلزمه أن ينقد هذا الكراء للمستحق إذا كان المستحق غير مأمون على صفة ما ذكرنا، كمن وهب هبة أراد بها عين الموهوب له، فلم يقبضها حتى مات، فإنها لا تورث عنه. ولو أراد هذا المكتري بتطوعه بالنقد، بعد صحة العقد، ابراء ذمته من الكراء، (أو لم يؤد عين) (4) الذي أكرى له الدار لكان من حق المستحق أخذ الكراء, لأنه تبرأ ذمته أيضا بقيض المستحق (5) والكراء، فلم يبطل عليه غرض يكون له سببه (6) مقال.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٦٩