تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قدم ابن القاسم حق الله سبحانه في أن لا تغير الاحباس ولا تتملك، فأمر بهدمها, ولم يلتفت إلى ابطال حق الباني في البناء.

وغلب سحنون حق الباني، فلم يتلف عليه ما انفق، وجعل له أخذ قيمة

بنائه قائما. ولكن هذه العلة قد تنقض عليه بموافقة ابن القاسم إذا كان غاصبا للأرض، بأن بناءه يهدم ويعطى نقضه يبني به مسجدا آخر. وفي ذلك أيضا إبطال لحق المستحق للأرض, لأنه إذا مكن من اعطائه قيمة النقض، بقي النقض مبنيا له.

(لكن هذا الحق الذي صورناه له ليس له فيه إيطال ما أنفقه، وإنما فيه حرمانه أخذ بنائه، وتلفيق فعله غيره، وشتان بين اتلاف ملك محقق وبين منع إنسان من أن يأخذ ملكا من يد غيره لم يسبق له فيه ملك.

فهذا العذر عنه عندي في تفرقته بين كون البناء الذي يحترم بناؤه بناه غاصب، ولو بناه من له شبهة في البناء.

(وبعض أشياخي يشير إلى هذا الخلاف في بناء يصح الانتفاع به ويبعد وهو على صورته، وأما مالا يحل الانتفاع به وهو على الشكل الذي هو عليه (1)).

وإذا قلنا: يهدم هذا المسجد، فإن انقاضه تنقض (2) فيبنى بها مسجد يقرب من المسجد المهدوم. وإن تعذر بناء المسجد بذلك البلد، فقال بعض الأشياخ ينقل إلى مكان أخر وتؤدى أجرة نقله منه، ويبني هناك بالانقاض مسجدا.

وهذا مما ينظر فيه لأن المحبس قد يكون له عوض (3) في بناء المسجد في بلده، فإذا نقل خولف غرضه فيه، فينظر هل ترم به مساجد في البلد بعينه أم لا فيكون ذلك أقرب إلى قصد المحبس.

وسنتكلم على هذا الأصل في كتاب الحبس، إن شاء الله تعالى، فإن فيه اضطرابا في المذهب. هذا حكم البناء المحترم في أرض غير محترمة.

وأما حكم البناء الغير المحترم في أرض محترمة، فإن سحنونا قال، فيمن

بني في أرض ثبت بعد ذلك أنها حبس: إن بناءه يهدم. قال ابن عبدوس: قلت: كيف يهدم عليه بناؤه، وقد بناه بوجه شبهة؟ قال: من يعطيه قيمته؟. قال: فقلت له: يكونان شريكين في الأرض والبناء. فأنكر ذلك. فقال من حضر: يكون ذلك بيعا للحبس. وسحنون يسمع فلم ينكر ذلك. فقال: فقلت له: يعطى المحبس قيمة البناء. فلم ير ذلك.

فاعلم أن الأصل الذي نبهنا عليه في تزاحم الحقوق يجري ها هنا، أما الشركة أو إعطاء الباني قيمة الأرض المحبسة، فإن ذلك إبطال للحبس، وبيع له، نهى الله سبحانه ألا (1) تباع الأحباس. وأما هدم البناء، ففيه إفساد المال على الباني، وله حق في ألا يفسد ماله، كما قدمناه، فيمن بني داره مسجدا.

لكن هناك مالك الأرض يصح أن يمكن من دفع قيمة البناء، وها هنا ليس يوجد مالك الأرض المحبسة فيؤمر بإعطاء قيمة البناء، (فالثمن من اعطاه قيمة البناء وتعذر ذلك) (2)، فافترق الجواب في السؤالين عند سحنون. وأما منع سحنون في هذه المسألة من تمكين المحبس من اعطاء قيمة البناء، فإن كان مراده أنه يعطي ذلك ليتملك ويبقيه في الأرض المحبسة، فإن ذلك تغير (3) للحبس، وقد يكون الحبس وقع لغرض منفعة يبطلها البناء في الحبمس، مع كونه إذا أبقاه على ملكه تملك بعض أجزاء أرض الحبس، وإن أزاد أن يلحقه بالحبس اعتبر فيه ما ذكرناه من تغيير المقصود بالحبس والمنفعة التي حبس عليها.

والجواب عن السؤال الثامن أن يقال:

اما من اغتل، وهو مشتر قد دفع ثمنا فيما اشترى، فقد تقدم أن الغلآت له إلى يوم الاستحقاق، على ما فصلناه هناك. وأما من بيده الرباع، ولكن لم يؤد عنها عوضا، كوارث ورث أرضا عن أخيه، فأكراها، فأتى ولد الميت فاستحق

جميعها، (1) وأتى أخ فاستحق مشاركة هذا الأخ في ميراثهما فإن الغلة تؤخذ جميعها من يد مكتريها إن أتى من يحجبه عن الميراث، أو يؤخذ نصيب القادم إليه من الميراث، وهذا إذا أكرى بالقيمة.

وأما إن حابي في الكراء فهو واهب لما حط من قيمة الكراء، فلا تلزم هذه الهبة القادم الذي إستحق جميع هذه الأرض، أو استحق بعضها، إذ ليس للإنسان ان يهب مال غيره، ولكن ينظر فيمن يرجع عليه بهذه الهبة، الثي هي المحاباة، هل الوارث الواهب (1) والمكتري المنتفع بالأرض والدار؟

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٦٦