تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان بعض أشياخي رأى أن هذا الذي قاله إنما بناه على أحد القولين في أن الاختلاف ما بين الخصمين بشبهة (3)، واحد الخصمين إذا زرع مع اعتقاده أنه ادعى باطلا، وحكم له بغير حق، فإن هذه شبهة تلحقه بحكم من اشترى ارضا فزرعها.

وأما على القولين (4) بأن الاختلاف ليس يشيهة، وأنه يجري مجرى الغصب حكم من زرع منهما، وقد توجه الحكم لخصمه حكم الغاصب إذا زرع، وقد بينا حكم الغاصب إذا زرع فأتى مستحق فاستحق الأرض.

وعندي أن هذا الذي وقع لابن القاسم يجري على أمر مختلف فيه، هو أولى مما قاله شيخنا. وهو أن المذهب على قولين في المترقبات وإذا وقعت، هل تعد كأنها إنما حصلت (5) اليوم وقوعها، أو تقدر أنها لم تزل حاصلة. وقد تكرر هذا وبيناه في كتاب البيوع. ولو لم يكن منه إلا ما في كتاب العتق من المدونة فيمن اعتق عبده بحضرة شهود، وجحد العتق، ثم استعمله. ذلك تقدم بيانه.

ومما يلحق بهذا ما ذكره عبد الملك بن الماجشون في ثمانية أبي زيد في

شريكين، في أرض، وهي مما ينقسم، فبنى فيها بناء، فقال ابن القاسم فإن وقع النصف الذي وقع بالقسمة للباني [بغير البناء] (1) وإن وقع في نصيب شريكه كان له أخذه بالقيمة، على ما تقدم في المشتبري إذ ابن ي أو غرس فاستحق ما في يده. وقد بيناه.

ولو كانت الأرض مما لا ينقسم ويجب بيعها جملة، لكان الثمن إذا بيعت به ينظر فيه: ما زاد البناء على قيمته براحا، فيكون الباني كما قيل في مركب بين شريكين أصلحه أحدهما فإنه إذا بيع كان لمن أصلحه ما زاد في ثمن الإصلاح.

والجواب عن السؤال السابع أن يقال:

كان الترتيب عندنا يقتضي أن نؤخر الكلام على هذه المسألة إلى كلامنا على من اشترى أمة فاستولدها فصار لها بالالستيلاد حرمة، ولكن قدمنا الكلام على هذه المسألة ها هنا باتصالها بأحكام الأبنية.

واعلم أن من بني داره مسجدا فأتى من استحق الدار فإنه باستحقاقها لما صار مستحقا لإزالة ما بني فيها، أو يتملكه إن كان مما يتملك، على ما تقدم تفصيل القول فيه. فقال ابن القاسم في المدونة، فيمن بني داره مسجدا، فأتى من استحق الدار: إن المسجد يهدم. وأطلق القول في ذلك، ولم يفرق فيه بين كون الباني للمسجد بناه وهو غاصب للأرض، أو مشتر لها.

وتأول هذا الإطلاق سحنون على أن محمله على كون الباني غاصبا للأرض. وأما لو كان بوجه شبهة كالمشتري للأرض بني فيها مسجدا، فإن الحكم عند سحنون أن يعطي مستحق الأرض باني المسجد قيمة بنائه قائما. فإن أبى أعطاه الباني قيمة الأرض. فإن أبى كانا شريكين، على حسب ما تقدم بيانه

في حكم من بني بوجه شبهة.

وعارضه ابن عبدوس في هذا الجواب لكونه يقتضي إبطال التحبيس.

فانفصل له عن ذلك بأنه إذا أخذ قيمه البناء صرفه في حبس مثله.

ومذهب بعض أشياخي أن المذهب على قولين في كون البناء للمسجد وقع بوجه شبهة: فسحنون يجري حكم مالا حرمة له من الأبنية، ويمكن (1) المستحق من أن يعطي قيمة البناء قائما.

وظاهر إطلاق قول ابن القاسم أنه يهدم، ولو كان البناء بوجه شبهة، لأنه (2) يفصل في جوابه.

وأيضا فإن سحنون وافقه على أن الباني لو كان غاصبا للأرض لهدم المسجد عليه، والحكم في الغاصب، إذ ابن ي مالا حرمة له، تمكينه من تكليف الغاصب قلع بنائه، وإعطائه قيمة النقض بعد أن يحط أجر القلع، كما قدمناه في البناء الذي لا حرمة له. فإذا وافق سحنون ابن القاسم في افتراق الحكم في بناء الغاصب مالا حرمة له، وماله حرمة فلم يفكهت المستحق من إعطاء قيمة النقض للغاصب، ومكنه من ذلك إذا كان البناء لا حرمة له، فكذلك ينبغي أن يفرق الحكم فيمن بني بوجه شبهة بين أن يبني مالا حرمة له أو يبني ماله حرمة.

واعلم أن مثار الخلاف في هذه المسألة تزاحم حقين فيها: أحدهما حق الله سبحانه، وهو المنع من إبطال الاحباس وتملكها، والثاني حق المخلوق، وهو الباني، في أن لا يبطل عليه ملكه، ويفسد بناءه، فتذهب نفقته باطلا، فأي الحقين يقدم؟

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٦٥