وأما الرجوع على المكتري إذا كان الوارث الذي اكترى منه وحاباه معسرا فلم يختلف القول عندنا أنه يرجع عليه بهذه المحاباة, لأنه قد أنتفع بمال الوارث القادم بغير عوض بذله في مقدار ما حاباه الوارث الذي أكرى منه، ومن انتفع بمال غيره بذر عوض من غير أن يأذن له المالك في الانتفاع به، فإنه يغرم للمالك قيمته ما انتفع به.
وأما إن كان الوارث الذي أكرى هذه الأرض موسرا ففيه قولان: أحدهما انه يرجع الوارث القادم على أخيه الذي أكرى نصيبه يغير إذنه.
وإلى هذا ذهب ابن القاسم في المدونة وقال غيره: لا يرجع الوارث القادم على الوارث الذي أكرى وإن كان موسرا.
واعلم أن من أتلف مال غيره تعديا وظلما، فإنه يطالب به بغير خلاف.
وإن أتلفه خطأ وبوجه شبهة، وهو مأذون له في التصرف إذنا خاصا، فإن فيه قولين: هل يضمنه أم لا؟
إذا كان لم ينتفع بإتلافه فإنه يرجع عليه بعوض ما أتلف.
وتفصيل ذلك أن الغاصب إذا وهب لرجل ما غصبه، والموهوب له غير عالم بالغصب، فانتفع به الموهوب له معتقدا انه لاعوض عليه فيه، فأتى من
استحق، فإن فيه ثلاثة أقوال:
احدها أن المستحق يبدأ في الغرامة بالموهوب له المنتفع بهذا المال، وإن لم يوجد عنده مال رجع على الواهب (1) والقول الثالث ان المستحق بالخيار بين أن يبدأ بغرامة الواهب أو بغرامة المنتفع الموهوب له.
وسبب الاختلاف أن ها هنا إتلافين:
أحدهما: بالتسليط والتمكين في مال الغير، وهكذا فعل الغاصب فيما غصبه ثم وهب, لأنه سلط الموهوب له على إتلاف هذا المال ودفعه إليه ليتلفه.
والثاني: أن الموهوب له باشر الإتلاف والمباشرة للاتلاف هي الأصل في غرامة الاعواض
وأما الأسباب المؤدية إلى الإتلاف من غير أن تكون مباشرة للإتلاف، ها هنا يضطرب العلماء، وينظر المحققون فيما صار كإتلاف من الأسباب فيلحقونه بحكم الإتلاف، وما بعد من ذلك حتى كأنه لم يكن سببا في الإتلاف لم يجروا عليه حكم مباشرة الإتلاف.
وهاهنا إتلافان: أحدهما من الغاصب بالتسليط والتمكين، والتسليط سبب يزاحم الإتلاف مباشرة. وإتلاف الموهوب له، وإن كان مباشرة، فإنه مخطى في الإتلاف معتقدا أنه أتلف مالا عوض يلزمه فيه، والغاصب سبب الإتلاف، وهو وإن لم يكن باشره فإنه يعلم أنه متعد في ذلك، فاعل مالا يحل له، وإن لم يكن مباشرا على مباشرة إتلاف يحل، والحرام يرجح على الحل الذي وجوب الغرامة. أو ترجح المباشرة للإتلاف، وإن كانت حلالا في الظاهر، على سبب الإتلاف. وإن كان حراما. ها هنا وقع الاختلاف في أي الأمرين أرجح؟ فمن حكم ببداية غرامة الغاصب الواهب رتجح جانبه في الغرامة بكونه فعل مالا يحل
له. ومن رجح في الغرامة جانب الموهوب له رجحها بالمباشرة، فلهذا حكم ببدايته في الغرامة. ومن ساوى بين الترجيحين خير صاحب المال فيمن يبدأ بغرامته، هل الواهب الغاصب أو الموهوب له؟ هذ حكم هبة الغاصب. وأما هبة من وهب بوجه شبهة، فالأشهر من المذهب أنه لا غرامة عليه. وذهب ابن القاسم إلى الحكم بغرامته، كما حكيناه عنه ها هنا في الوارث إذا أكرى محابيا في الكراء. وهذا أصل مقرر في المذهب أن. متلف الشيء إذا انتفع به غرم عوضه وإن كان بوجه شبهة في يديه. وإن لم ينتفع بإتلافه، وقد أتلفه خطأ، ففيه قولان، ألا ترى ان من اشترى طعاما فأتلفه، ثم أتى مستحقه، فإن مشتريه الذي أكله يغرمه له. ولو اشترى عبدا فقتله عمدا، ثم أتى مستحقه، فإنه يغرمه له أيضا لأن تعمد القتل لا يحل، فضمن وإن لم ينتفع، لأجل تعديه وظلمه، فإن قتله خطأ ففيه قولان: تضمينه، وإن لم ينتفع بذلك، لكون الخطأ والعمد في اموال الناس سواء، أو لا يضمنه لإذن الشرع في التصرف له خاصا.
وهذا التأصيل الذي أصلناه يجب أن يستوي حكم المشتري إذا وهب ما اشتراه فأتلفه الموهوب له، وحكم الوارث إذا وهب ما ورثه, لأن الأصل الذي رددنا هذا الفرع إليه يستوي فيه (من وهب في يديه بوجه شبهة كان الذي في يديه كالمشتري، أو بغير عوض) (1). على أن بعض المتأخرين حاول الفرق بين هبة من كان في يديه الشيء الموهوب بعوض أو بغير عوض، فقال: أما إذا كان في يديه بعوض فيحسن ألا يغرم ما وهب، وإن كان في يديه بغير عوض فإنه يحسن أن يغرم, لأن الوارث الذي في يديه المال بغير عوض إذا وهبه لغيره اتهم في أن يكون علم أن يكون شاركه وارث آخر، فكتم ذلك وأخفاه، وعقد هذا على الموهوب له بمال غيره، والمشتري يبعد هذه التهمة فيه لأنه أدى ثمن ما وهب، فلا يتهم في أن يتلف مال نفسه بالهبة.