تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأم، وقدر أن النطفة كالبذر، والنماء في بطن الجارية كالنماء في بطن الأرض.

وقد ورد هذا السؤال إلى المهدية، وشيوخ الفتوى فيها متوافرون، فأفتى السلمي، وهو اشهرهم وأفقههم منذ نحو ستين عاما، بأن الزرع لرب الأرض.

واحتج بما احتج به الداودي، وسطره في جوابه معتمدا عليه، وكأنه نسب هذه الحجة إليه، ووافقته أنا في الفتوى حينئذ باختيار هذا القول، وكان معنى الجواب الذي كتب في ذلك: أن الزرع إنما حدث من مجموع أمرين لو انفرد احدهما لم يكن هذا النماء: أحدهما الأرض، فإنها لا تنبت من غير بذر، والآخر البذر، فإنه لا ينبت في غير أرض، فكان مقتضى هذا الاشتراك أن يكون النماء الحادث مقسوما بينهما, ولكن لا يقف على حد ما يكون عن كل واحد منهما من التنمية سوى الله سبحانه الذي خلقهما، وخلق ما يكون عنهما. فلما لم يعلم ذلك وجب إلحاق النماء بأرجحهما، فالأرض ها هنا مرجحة على البذر، لكونها مما لا يزال بها ولا ينتقل، والقمح المبذور في الأرض مما يزال به وينتقل.

وقد منع أبو حنيفة تصور الغصب في العقار لهذه الغلة. فكان إلحاق النماء بالأرض أولى، مع كون تنميتها للنبت ليس بظلم ولا حرام، وتنمية البذر ظلم وحرام، والحلال أرجح من الحرام. وقد قيل: إن الأرض قابضة لما فيها، وصاحب البذر لما أودعه الأرض زال قبضه عنه، وبقيت الأرض هي القابضة، وقبضها قبض لصاحبها، فكان إضافة هذه التنمية إليها أولى، مع أن سبحانه نبه على علة شرع القصاص ممن قتل آخذه (1) ظلما فقال تعالى ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ (2) والمراد به ما كانت الجاهلية تعبر عنه بعبارة ظهر فصاحة القرآن فيها وعلوها عنها، وكانت تقول "القتل أنس للقتل" ويعني بذلك أن القاتل إذا لم يقتل بمن قتله استبيحت الدماء، وتفانى الناس بالقتل, لأن كل من علم أنه لا

يقتل إذا قتل تكرر منه القتل، وإذا علم أنه يقتل كف عن القتل، فأنزل الله هذا المعنى بلفظ بليغ لا يلحق فقال: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ (1) يريد أن القاتل إذا اقتص منه حفظت حياة بني آدم، فكأن القصاص صار لهم حياة. ثم فيها تنمية (2) على العدل، وهو قوله "القصاص" والقصاص إشارة إلى العدل، فورد هذا المعنى في القرآن بلفظين وهما القصاص حياة، من غير تكرير، واوردته العرب بثلاثة ألفاظ، وفيها التكرير، وليس فيها إشارة للعدل، وإذا نبه صاحب الشرع على أن القصاص إنما شرعه لصيانة الدماء، فكذلك يجب أن يكون الزرع لصاحب الأرض المغصوبة، صيانة للأموال والأرضين عن أن تغصب. وحرمة المال يجب ان تصان كحرمة الدم.

وتعقبت استدلال الداودي بقياس الزرع على حمل الأمة, لأنه قد اتفق المذهب على أن من اشترى أرضا فزرعها، فإن الزرع له. ولو اشترى أمة فاستولدها، فإن الولد لمستحقها, ولكن لا يسترقه لحرمة الحرية فيه، بل يأخذ قيمته. فإذا افترق الحكمان في الأمة والزرع، فيما كان بوجه شبهة، فكذلك يفترقاد فيما كان على وجه الغصب, لأن الولد من جنس أمه، فهو كعضو منها يرد معها، وإن كان استولدها بوجه شبهة، بخلاف الزرع الذي هو ليس بجنس الأرض المغصوبة.

هذا معنى الجواب الذي كان فرط منى حين افتيت به قديما. فإذا وضع حكم الزراعة مع اعتقاد الإباحة، وثبوت الشبهة، وحكم الزراعة مع اعتقاد التحريم وارتفاع الشبهة، فإنه قد يعرض بين هذين ما يشكل هل هو من هذا الطرف أو من هذا الطرف مثلما في المستخرجة لابن القاسم في ارض ادعاها رجلان كل واحد منهما يدعيها لنفسه، فيأخذ أحدهما فيزرع فيها فولا، ثم بعد حين أتى خصمه فزرع فيها قمحا، فأبطل بذلك ما زرعه الأول من القول، فحكم فيها بعد ذلك

للأول الذي زرعها فولا، فقال اين القاسم: يبقى القمح المبذور لزراعه، ويؤدي الكراء إذا كان الإبان لم يذهب، ويغرم لصاحب القول ما اتلفه عليه وأبطله من القول، قيمته على الرجاء والخوف أن لا يسلم. ولو توجه الحكم بهذه الأرض للآخر النبي زرعها قمحا كان عليه قيمة القول على الرجاء والخوف ويخفف عنه في التقويم. ويشير بالتخفيف في التقويم إلى أن صاحب القول (1) ولو مكن من إيقافه (2) فسلم، لوجب عليه الكراء لمن حكم له بها وقد زرع فيها قمحا.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٦٤