وكذلك عارض بعض الأشياخ من أسلم ثوبا واحدا في طعام فأقال من نصف، بأن قال هذه شركة، وهي تعيب الثوب، والعيب ها هنا يمنع من الإقالة.
والذي عندي أنا إذا قلنا: إن القسمة لتمييز حق؛ لم يتوجه ما عارض به الشيخ أبو القاسم ابن الكاتب، لأنه (إنما) (1) وقعت القسمة (أن) (1) الثياب التي استبد بها كل واحد هي التي يقابل ما وقعت الإقالة عليه، (وما لم يقل فيه) (2) وإن قلنا: إنها بيع من البيوع يوجه ما عارض به، ولا يلزم ما ألزمه في جواز الإقالة على مثل الثوب لكون الإقالة على مثل الثوب لا يخاف (3) أنها ليست إقالة على عين (4) رأس المال.
وأما ما وقع في القسمة فإن فيه من الخلاف ما ذكرناه في القسمة هل هي تمييز حق أو مبايعة، وإنما يتوجه المعاوضة على أحد القولين. وأما المعاوضة فإن الشركة في الثوب عيب، فإنه قد يقال في العذر عن هذا: إن هذا العيب لم يستبن الإقالة (5) بل إنما حدث بحدوث الإقالة، وقد تعلق بالإقالة حل البيع وحدوث العيب.
وقد اضطرب المذهب في مثل هذا، إذا كان الأمر يتعلق به حكمان متدافعان، ما الذي يقدر السابق منهما، كقوله: إن لقيك فأنت حر. فإن قدرنا ها هنا أن الإقالة حل البيع، كالسابق لحدوث عيب الشركة، لم يكن في الإقالة قدح؛ لأنه إنما يمنع إذا حدث العيب قبلها، وها هنا قد تقرر أنه كالحادث بعدها، فلا يقدح في صحتها.
ومن هذا الأسلوب الإقالة من الطعام على رأس المال وقد يعتبر عيبه كعيب أثر في دابة، كغرر في العقد أو خرق في الثوب، فإن هذا يمنع الإقالة.
وإن كان ما يتغير (1) في القدر المبيع منه سالما فإنه في حكم المتغير لانتقاص ثمنه لأجل العيب. وأما التغير الذي لا يرجع إلى عين رأس المال، فإنه إن كان تغيرا في سوق السلعة التي هي رأس المال، فإنه لا يمنع الإقالة تغير السوق بنقص أو زيادة. وأما إن كان تغيرا مختصا برأس المال وإن لم يؤثر في عينه، كعبد أسلم في طعام فأذن له من عليه السلم في التجارة، فاستدان، ثم تقايلا وعلى العبد دين، فإن ذلك يمنع من الإقالة، وإن كان هذا التغير لا تأثير له في البدن لكنه يختص به دون ما سواه من العبيد، بخلاف تغير السوق الذي يعم جميع ذلك النوع. لكن لو كان الدين تافها يسيرا لا مقدار له، كالدرهم ونحوه، فإنه كالعدم لا يمنع الإقالة. وإن كان خارجا عن هذا المقدار منع الإقالة وإن لم يوسف بأنه كبير. بخلاف من اشترى عبدا، فأذن له في التجارة فاستدان العبد ربها، فإن هذا الدين وإن نقص ثمن العبد لا يمنع المشتري الرد بالعيب، ولا يوجب عليه قيمة هذا النقص، لأن العيوب اليسيرة الحادثة عند المشتري غير مطلوب بعوضها إذا رد بالعيب، لكون العيب من جهة البائع، فكأنه كالعافي له عن هذا المقدار اليسير الحادث عنده. لكن هذا الدين الذي استدانه العبد لو سقط عنه قبل الإقالة لم يمنع الإقالة لكون رأس المال عاد على ما كان عليه فصار ما حدث في خلال عقد السلم والإقالة منه (2) بالعلم.
ولو كان حدث بهذا العبد عيب أثر في بدنه ثم ذهب، فإن المتأخرين مختلفون في هذا: هل تجوز الإقالة؛ لأنه يقدر لما ذهب كأنه لم يحدث، أو يمنع من ذلك لأنه قد تأثر جسمه تأثير المنع من الإقالة حينئذ فلا يزول هذا المنع بزوال المانع. بخلاف لو كان هذا العيب بياضا في العين حدث بالعبد ثم
ذهب، فإنه لا تمنع الإقالة لأن البياض (قد يعذر كالسائر بقيت العين على ما كانت عليه أولا ولم يتخلل ذلك بعد حدث في ذاتها) (1).
والذي سلمه صاحب هذا المذهب من كون سقوط الدين وذهاب بياض العين لا يمنع الإقالة لا يتحقق بينه وبين العيوب المؤثرة في البدن فرق واضح.
وقد ذكر في الرواية أن العبد إذا أسلم، وفي عينه بياض، فذهب عند المشتري، أن ذهابه كالنماء المانع من الإقالة.