والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:
أما الإقالة على عين رأس المال ولم يقع فيه يعتبر (4) على حال قد صح جوازها. وأما إن ذهب عين رأس المال، وأقال على مثله، والسلم في طعام، فإنه إن كان رأس المال عوضا مما يقضى به في القيمة في الاستهلاك، فإنه لا تجوز الإقالة على حال، لأنه إيقال (5) على قيمته، وقيمته جنس آخر خلاف عينه، وهذا ليس بإقالة وإنما هو بيع مستأنف. وإن أقال على مثله، فالأغراض
تختلف فيه لا على قيمته ولا على مثله، لما قدمناه من خروجها عن كونها إقالة إلى كونها مبايعة، وبيع الطعام قبل قبضه لا يجوز.
وأما إن كان رأس المال مما يكال أو يوزن، وهو لا يراد لعينه، ولا يعرف إذا غيب عليه، كالدنانير والدراهم، فإن الإقالة جائزة، لكون مثل الدنانير كأنه هو عين الدنانير التي كانت رأس المال. وأما أن كان ليس بدنانير ولا دراهم، كالحديد والرصاص والقطن والكتان، وغير ذلك من المكيلات والموزونات مما ينخرط في سلك هذا، فإن المذهب على قولين: اختلف في جواز الإقالة على هذا ابن القاسم وأشهب، فمنعه ابن القاسم وأجازه أشهب إذا كان المثل عنده حاضرا.
فمن أجاز رأى أن المثل يسد مسد المثل، كالدينار الذي يسد مسد دينار آخر من سكتة. ومن منع رأى أن الأغراض ربما اختلفت في أعيانها، فوجب الخلاف فيها بالعروض التي تمنع الإقالة على أمثالها (هذا حكم يعتبر المعين عوضها) (1).
والجواب عن السؤال السادس أن يقال:
أما (نفس) (2) رأس المال تقديرا فإنه يكون على ضروب، أحدها: من أسلم ثوبين في قفيزين طعام، فأقاله من أحد الثوبين، وهما متكافئان، على إسقاط أحد القفيزين عنه، فإن ابن القاسم أجاز ذلك. وأشار سحنون إلى منعه والمناقضة فيه بقوله في المدونة: إذا اشترى ثوبين متكافئين فإنه لا يبيع أحدهما مرابحة بنصف رأس المال حتى يبين، لجواز أن يكون غلط في التقويم، واعتقد أنهما متكافئان وليسا بذلك، إذا أقال من أحدهما فإنه قد يعلمان تقديره، فإن الذي ينوبه نصف الطعام، وإنما ينوبه في الحقيقة أقل أو أكثر، فيمنع من الإحالة لئلا يكون قد أحال على أكثر من رأس المال أو أقل، منع إذا كانت محسوسة، فكذلك إذا كانت مقدرة. وقد وقع في كتاب محمد، فيمن أسلم في أصناف من الثمر، فإنه يجوز أن يقيل من أحدها لما ينوبه. وكذلك وقع فيمن أسلم في قمح
أو شعير وعدس، فإنه يجوز له أن يقيل من أحد هذه الأصناف. وهذا أيضا يجب أن يمنع على طريقة سحنون، لأنه قد يغلط في التقويم الذي يتوصل به إلى معرفة ما ينوب هذا الصنف المقال فيه. وقد اعتذر الشيخ أبو إسحاق عن مسألة الإقالة من أحد الثوبين، فإنه لا يقدر أنه إنما ينوب القفيز المقال منه، ونصفه الآخر معاوضة عن نصف الثوب الذي لم يقل منه، وهو الذي يقابل هذا القفيز المقال منه، فإن هذا إنما يكون التقدير فيه أن الثوب المقال منه يقابله نصف كل واحد من القفيزين، فإذا أقاله عن قفيز واحد فكأنه إنما أقاله عن نصف القفيزين، وجميعهما، في النظر، في الإقالة، فلا يمنع هذا، كما إذا كان له عليه نصف دينار، أو (1) باعه بيع ابن صف دينار آخر، أنه يقضى عليه بدينار كامل، لكون الحكم يوجب جميع النصفين.
وهذا الذي قاله فيه نظر لأنه ليس له أن يقول بأن التقدير ما ذكره أولى بأن يقول الآخر العكس ما بدأنا به أولى من أن الثوب المقال منه نصفه يقابل القفيز المقال منه ونصفه عوض عن نصف الثوب الآخر. وهكذا قدر الشيخ أبو القاسم ابن القاسم (2) وذلك أنه عارض مسألة المدونة إذا أسلم إليه ثيابا في قمح وأقاله على نصف الثياب أن ذلك جائز. فقال: إن أقاله على أن تكون الثياب شركة بينهما نصفين، فالشركة في الثياب عيب، والعيب في الثوب يمنع من الإقالة عليه إذا كان رأس المال الطعام، وإن قدر أنهما يقتسمان الثياب نصفين فيتميز نصيب كل واحد من نصيب صاحبه، فإن الثياب المقسومة لا يقدر أن ما استبد به كل واحد منهما هو الذي يقابل به نصف الطعام المقال منه، بل إنما يقابله نصف الثياب التي استبد بها ونصفها الآخر أخذها عوضا عن نصف الثياب التي صارت لصاحبه، وهو النصف الذي يقابل ما أقال فيه من الطعام. وأشار إلى أنه إذا جاز أن يقيل (على مثل هذا النصف لزم أن يقيل) (3) على ثوب مثل الثوب الذي هو رأس المال.