تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذ قيل ذلك في الغاصب فأحرى أن يقوله فيمن اشترى أرضا فبنى فيها بوجه شبهة، وكأنه قدر الأرض في حكم ما تلف عينه وانعدمت، فعلى متلفها غرامة قيمتها.

ورأى مالك وأصحابه عكس ما رآه أبو حنيفة، وأن صاحب الأرض أولى بها، وأن حكم الغرس والبناء في التبع لها، وورآها أبو حنيفة في حكم التبع للغرس والبناء، فلهذا أخرج ملكه عن صاحبها، وأعطاه قيمتها.

ولنا عليه ما ذكرناه من كتاب أبي داود من كون النبي عليه السلام أمر من غرس في أرض غيره بأن يقلع غرسه، كالنص في الرد عليه. والحكم تغليب حكم الأرض علق (3) حكم البناء فيها والغرس.

وكان شيخي أبو محمد عبد الحميد، رحمه الله، يبني هذه المسألة على اعتبار تغليب أحد الضررين، ويرى أن مالكا، رضي الله عنه، إنما ذهب إلى تغليب حكم الأرض لكونها أكثر ثمنا مما بني فيها أو غرس. وما عظم كان أكثر حرمة مما قل ثمنه. ويشير إلى أن الأمر لو كان بالعكس وكان البناء عظيما، والأرض محتقرة، لكان البناء هو المغلب، ويكون للباني أو الغارس أن يعطي صاحب الأرض قيمتها.

هذا على طرد هذا التعلل، ولكنه كان يقول: ربما كانت العلة عند مالك

في تغليب حكم الأرض كون ملكها سبق ملك ما أحدث فيها من البناء والغرس، والسبق له تأثير في الترجيح، لا سيما أنه ملك صحيح في الظاهر، خلاف ما أحدث من البناء والغرس، وطرد هذا التعليل يقتضي ألا يفترق الحكم في كون الأرض قليلة الثمن أو كثيرة الثمن.

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:

إذا غلبنا حكم صاحب الأرض، وأسقطنا حكم الباني والغارس، وأزلنا ملكه عن ذلك، فإنه:

إن كان غاصبا فله نقض م ابن ي أو غرس ممن له منفعة إذا أخذه وأزاله، ولكن لصاحب الأرض المغصوبة أن يعطيه قممة بنائه وغرسه منقوضا بعد أن تحط أجرة النقض والقلع، على ما بيناه في كتاب الغصب.

وأما إن كان مشتريا, ولم يعلم بأن من باع منه غاصب، فإن رب الأرض من حقه أن يزيل ملك الباني والغارس عن بنائه وغرسه بالقيمة. وهل يكون التقويم لذلك على أنه منقوض، كما قلناه في الغاصب، أو على أنه قائم؟ المعروف من المذهب: يقوم على أنه قائم .. وذكر شيخنا أبو محمد عبد الحميد أنه قيل، فيمن بني بوجه شبهة، أنبما يعطى قممة بنائه منقوضا. وأظنه إنما حكى ذلك عن شيخه أبي القاسم السيوري أنه نقله. فإن صح هذا، فإنه أجراه صاحب هذا المذهب مجرى الغاصب لكون غلطه على أرض غيره لا يوجب بقاء بنائها. والمعروف من المذهب خلاف ذلك. فكأنه لما كان له شبهة فيما أحدث لم يجر مجرى الغاصب، وقد قال عليه السلام "من أحي أرضا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق" (1) دليل هذا الخطاب أنه إذا لم يكن ظالما فلبنائه حرمة، وحرمته أن يكون قائما. وهذا يقتضي ما ذهب إليه الجمهور من كونه يعطى قيمة بنائه قائما. وقد روي عن مالك أيضا: يعطى ما أنفق. وهذا ربما

رجع إلى القول بأنه يعطى قيمة بنائه قائما, لأن التقويم يكون بمقدار النفقة إن لم يعئن المنفق. وذهب ابن سلمة إلى أنه إنما يعطى قيمة ما زادت قيمة بنائه وغرسه في قيمة الأرض براحا. وكأن من ذهب إلى هذا رأى ان صاحب الأرض إذا غلب حكمه فمقتضى هذا لا لعطى صاحب الأرض إلا مقدار ما انتفع به من فعل الباني والغارس.

وأما إذا أعطاه قيمة بنائه، وإن لم يزد البناء في قيمة ارضه فكأنه لم يغلب حكمه على صاحب النساء إذا حكم عليه بخسارة مالا ينتفع به.

وبعض أشياخي يرى أن الأولى القضاء بأقل المذهبين، فإن كانت الزيادة في القيمة هي الأقل لم يكلف صاحب الأرض خسارة، لما غلبناه من تغليب حكمه. وإن كان قيمة البناء أقل وقد رفع الضرر عن الباني إذا أعطي قيمة ما بني.

وإذا قلنا: يعطى قيمة ما بني، فهل تعتبر قيمته يوم بناه، أو يوم المحاكمة؟ في ذلك قولان، وهما مبنيان على ما كررناه مرارا في كتاب البيوع وغيرها: أن كل أمر مترقب حدوثه ووقوعه، وهو مسند إلى سبب تقدم إيقاع الحكم به، فهل يقدر، إذا وقع الحكم به، كأنه لم يزل الحكم ثابتا فيه، فيعطى، على هذا قيمة بنائه يوم بناه، أو يقدر أنه إنما تحمل الحكم يوم وقوعه، ولم يلتفت إلى تقدم السبب الذي أسند الحكم إليه، فيعطي قيمته بنائه الآن. وقد مثلنا الفروع التي تجري على هذا الأصل بما يصحح ما قلناه.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٥٨