تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأنت ترى اختلاف ظواهر هذه الأحاديث. ففي كتاب أبي داود ما ظاهره أن المستحق يأخذها بخير ثمن، وإنما يطلب مشتريها بثمن الذي دفعه لمن باع منه البائع الذي قبض الثمن منه. في كتاب الترمذي أن المستحق لا يأخذها إلا بعد أن يدفع الثمن إلى مشتريها، وأضاف هذا المذهب إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وأما النسائي فروى الحديثين أحدهما مثل ما رواه أبو داود. والثاني مثل ما رواه الترمذي وكأن ما رواه الترمذي وأضافه إلى أبي بكر وعمر رضي الله

عنهما وجهه توخي العدل بين الرجلين, فقد قال عليه السلام: "كل ذي مال أحق بماله" (1). وهذا يقتضي كون المستحق لا يمنع من أخذ عين ماله، والمشتري له حق أيضا في الثمن الذي دفع، ولولا دفعه ما صارت السلعة إليه من يد السارق الذي باعها منه، فكأن مستحقها لم يمكن أخذه إلا بعد ما (2) دفعه مشتريها فصار ذلك كمن فدى من يد اللصوص شيئا بمال دفعه إليهم، فإن في أحد القولين، أن صاحبه لا يمكن من أخذه من يد فاديه إلا بوزن ما دفع فاديه فيه. ولم يذكر هذا تخريجا للخلاف عندنا في هذه المسألة من الخلاف المذكور عندنا فمن (3) فدى من يد اللصوص شيئا هل يمنع مالكه من أخذه إلا بعد أن يدفع الفداء, لأن الفادى من أيدي اللصوص (يدل فيه مال يدل) (4) لمنفعة غيره على أنه يتملكه، فكأنه جرى مجرى من وإن على المسلم ماله لئلا يتلف عليه، والمشتري من السارقال في يظنه هو المالك (5) ولى يقصد بما دفع من الثمن صيانة على ربه, لأنه لم يعلم به، وإنما قصد بذلك تملك السلعة التي باعها منه، فصار كمن غلط على مال نفسه، فدفعه لغير مستحقه. والفادي لم يأخذ مال نفسه، غلطا منه، لتحصيل منفعه نفسه.

وإنما ذكرنا هذا لما بين المسألتين من الملاحظة على الجملة، ألا ترى أن القاضي إذا شهد عنده عدلان بأن رجلا مات، فباع تركته، ثم أتى حيا أنه لا يمكن من أخذ السلع، التي اشترى مشتريها، إلا بعد أن يدفع ثمنها لمن بيعت منه, لأن المشترى لهذه السلع إنما يذل فيها الثمن لمنفعه نفسه، وليملكها على التأبيد، لكن ها هنا أيضا يحكم القاضي بصحة تمليك المشتري لها عوضا مما دفع من الثمن، وهو حكم صحيح في الظاهر، وإن كان باطلا في الباطن.

(والاحكام تؤخذ على الملك عنه إلى المشتري) (1) بخلاف من اشترى من السارق طوعا منه، (وقد يتعامى عن كون. ما بيع منه مستوفى) (2) ويترك البحث عنه فصار كمشارك للسارق في سرقته. ألا ترى في الحديث الذي ذكرناه قال: "فوجدها في يد رجل غير متهم" وهذا كالإشارة على ما قلناه. على أنا سنتكلم بعد هذا على تفرقته في المدونة بين كون الشهود تعمدوا شهادة الزور بموت هذا الرجل، أو شبه عليهم. وفي كلامنا على ذلك ما يوضح ما ذكرناه ها هنا على الجملة، ان شاء الله تعالى. وهو الذي ذكرناه دليلا على صحة ما ذهبنا إليه نحن وغيرنا من كون المستحق يأخذ سلعته من يد مشتريها بغير ثمن يغرمه له، لقوله عليه السلام "كل ذي مال أحق بعين ماله" ولم يذكر وجوب غرامة عليه، بعمومه (3) يقتضي أنه أحق بعين ماله على كل حال، مع كون غلط المشتري لا يؤاخذ به المالك المستحق, لأن غلطه جناية عن نفسه بأن دفع الثمن لغير مستحقه، فلا يسقط ذلك حق من استحق العين التي لم تخرج عن ملكه. وقد ذكرنا ما ذكره أبو داود في (الرجلين اللذين اختصما في نخل غرسها أحدهما في أرض الآخر فأمر عليه السلام بقلع النخل ورد الأرض على صاحبها) (4) ولم يذكر أنه غرسها غصبا أو بوجه شبهة وشراء.

والجواب عن السؤال الثالث ان يقال:

إذا تقرر أن من استحق أرضا من يد مشتريها من غاصبها وهم (5) لم يعلم بالغصب، أنها ترد على مالكها ولو غرسها من هي في يديه، أو بني فيها وهو

غاصب أو مشتريا (1).

خلافا لأبي حنيفة لأنه ذهب إلى أن من غصب أرضا فبنى فيها أو غرس أن صاحب الأرض (2) لم يمكن منها بل الحبهم عنده أن يعطيه الغاصب الذي بني أو غرس، قيمة أرضه.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٥٧