تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا تقرر تغليب حكم صاحب الأرض في أن له التملك بأرضه، وطرد الغارس والباني عن غرسه وينائه، لكن يعو أن يعطيه عوضا، على الخلاف في تقدير العوض، كما قدمناه، فإنه إن امتنع من ذلك، فعن مالك روايتان: أحدهما، وهي المشهورة عندنا، أن لصاحب الغرس والبناء أن يطرد المستحق أيضا عن أرضه، كما يرى المستحق في أن طرد الباني والغارس عن بنائه وغرسه، ولكن يعد أن يعطيه قيمة أرضه، فإن امتنع من ذلك الباني والغارس

أيضا كانا شريكين: مستحق الأرض يكون له منها ومن غرسها وينائها بمقدار قيمة أرضه براحا، ويكون للباني والغارس من الأرض والبناء والغرس قيمته غرسه أيضا ما بني أو غرس قائما على الخلاف الذي قدمناه. وروي عن مالك أيضا نفي الشركة وأنه إذا امتنع مستحق الأرض من دفع قيمة البناء أجبر الباني أو الغارس على دفع قيمة الأرض. وكأن الذاهب إلى هذا رأى أن البناء والغرس فوت في حق الباني والغارس، إذا امتنع مستحق الأرض من أن يعطيه قيمة البناء والغرس، فجبر الغارس والباني على دفع قيمة ما أفاته باليناء والغرس. وكأنه في القول المشهور رأى أن ليس أحدهما أولى بأن يقدر البناء فوتا في حقه من الآخر. فإذا لم يترجح أحدهما عن الآخر كانا شريكين، فلا يجبر صاحب الأرض على دفع قيمة الأرض.

ولو كان من اشترى أرضا فبناها وغرسها، ثم أتى مستحق فلم يستحق جملتها وإنما استحق نصفها، فإن النصف المستحق يجري فيه وفي حكم بنائه وغرسه ما قدمناه في مستحق جميع الأرض، لا فرق بينهما في هذه الأحكام كلها. لكن إنما تختص هذه المسألة بالنظر في الشفعة، فإنه إذا استحق نصف الأرض كانت له الشفعة في النصف الباقي على ملك المشتري، إلا أن يكون المستحق لا يتمسك بنصف الأرض الذي استحق، ولكن أغرم الباني أو الغارس قيمة ما بني وغرس في النصف الذي استحقه، فإنه لا شفعة له، على أحد القولين فيمن كان له نصيب في دار لأجله وجبت الشفعة فيما بيع منها، فباع النصيب الذي به يستشفع قبل أن يأخذ الشفعة. ولو أنه أعطى الباني أو الغارس قيمة بنائه وغرسه في جميع الأرض لمالك (1) جميعها النصف بالاستحقاق والنصف بالشفعة.

وإذا لم يعط قيمة البناء، ولا اعطى الباني أو الغارس قيمة الأرض، وكانا شريكين، فالمذهب على قولين في كونه يستحق جميع النصف الذي اشتراه

المشتري، أو يسقط من الشفعة بمقدار ما سقط من ملكه في النصف في المستحقال في به وجب له الشفعة لأجل الشركة فيه. وهذا يبسط في كتاب الشفعة إن شاء الله تعالى.

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:

إذا اكترى رجل دارا أو أرضا مدة معلومة من مشتري الأرض والدار، فأتى مستحق فاستحق الأرض أو الدار بعد أن مضى بعض مدة الكراء، فإن ما مضى من المدة لا سبيل إلى رده وارتجاعه، وكذلك لا سبيل للمستحق في أخذ كرائه, لأن ذلك يقضى به المشتري (1)، لآن الاستحقاق من يد المشتري بوجه شبهة لا توجب عليه رد الغلة إلى المستحق، كما سنبينه فيما بعد، إن شاء الله تعالى.

وأما ما بقي من المدة فإن للمستحق أن يجيز عقد مكتريها، وهو مشتري الأرض بالمسقى الذي وقع به العقد، ويصير كمن بيعت سلعة (2) بغير إذنه، فإن له أن يجيز بيعها، ويأخذ الثمن، ولكن بعد أن يعلم مقدار ما ينوب باقي المدة من الإجارة التي عقد بها البيع، لئلا يكون كمبتدى عقد كراء مدة بثمن مجهول لا يعلم مقداره. وهذا على أحد القولين في جمع السلعتين، وفيمن اشترى عشرة ثياب فاستحق منها ثمانية فأراد أن يتمسك المشتري بالاثنين الباقيين منهما، فإنه يمنع من ذلك في المدونة، وأجيز في كتاب ابن حبيب.

وهذا الخلاف انبنى على من ملك أن يملك هل يعد مالكا (أو أن يقدر كالمالك) (3) (إلا اختار أحد الوجهين اللذين خير بينهما) (4).

وقد تقدم بسط هذا الاختلاف في كتاب البيوع، وذكر سبب الاختلاف ولو كان هذا المكتري للأرض عشر سنين, مثلا، يبني ويغرس، ثم أتى مستحق فاستحق الأرض، فإن ما نص (1) من مدة الكراء مقدار كرائه لمكري الأرض الذي اشتراها، وما يستقبل من الزمان إلى انقضاء العشر سنين الحكم للمستحق، فيخير بين إجازة العقد، ورده، ويبقى الشجر والبناء بقيمة العشر سنين، فإذا انقضت أمر الغارس أو الباني بقلع بنائه وغرسه، أو يعطيه قيمته منقوضا بعد أن يحط من ذلك أجرة النقض.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٥٩