ولو وكل الحميل بدفع ذلك عنه، فإنه تردد القول فيه عندنا: فقيل: يجوز. أو لا يجوز (وها الآن بما) (1) وأشاروا إلى ضعف الجواز وارتفاع المنع.
وإذا تكفل الكفيل بطعام في الذمة، فتطوع لمن تحمل له بأن يعجله قبل الأجل على صفه ما هو عليه، لم يمنع من ذلك، كما قدمناه.
ولو أن أجنبيا لم يتحمل، تطوع بدفع هذا الطعام إلى من استحقه على أن يحيله على غريمه يقضيه منه عند أجله، لم يجز ذلك, لأن الحوالة كالبيع، فيصير ها هنا من له الطعام كبائع له قبل قبضه من الذي أخذ منه الطعام وأحاله به على غريمه.
وقد تعقب بعض الأشياخ هذا، وأشار إلى أن الحميل قبل الأجل لم تتوجه عليه مطالبة، فإذا دفع قبل أن يتوجه عليه، صار كالأجنبي التي (2) لم تتحمل. لكنهم لما رأوا أن الحميل تتوجه عليه المطالبة إذا حل الأجل، كما تتوجه على الغريم المتحمل عنه إذا حل الأجل، فارق ذلك حكم الأجنبي الذي لم يتحمل ولم تجب عليه مطالبة لا في الحال ولا في المآل ..
وإذا تقرر حكم الحميل وأداء الدين الذي تحمل به، فلا يخلو: إما أن يؤديه من عند نفسه من شيء ملكه قبل المطالبة بالحمالة، أو يشتريه بثمن ثم لا يخلو ذلك أيضا، في الوجهين جميعا، من أن يكون ما أدى مكيلا أو موزونا
أو عرضا مما يقضى فيه، في الاستهلاك، بالقيمة.
فأما إذا أدى من شيء قد تقرر ملكه عليه، وكان مما يكال أو يوزن رجع بمثله على من أداه عنه، من غير خلاف, لأنه كالمسلف لمن أداه عنه، ومن أمملف مكيلا أو موزونا فإنما يرجع بمثله.
وإن كان الذي أداه من ملك نفسه حيوانا أو عروضا فمذهب أشهب وغيره من أصحاب مالك أنه يرجع أيضا بمثله كما يرجع أيضا بذلك في سلف العروض. واختلف قول ابن القاسم فيه: ففي الموازية عنه: أنه يرجع بمثله كما قالت الجماعة. وفي الواضحة أنه يرجع بقيمته كما يرجع بالقيمة في العروض في البياعات الفاسدة والاستحقاقات والاستهلاكات.
وأما إن كان كلف القضاء فاشترى ما يقضيه بثمن، فإنه يرجع بمثل الثمن الذي اشترى به، سواء كان ما اشتراه وقضاه مكيلا أو موزونا أو عروضا، ولا يعتبر في ذلك قيمة العروض لأنه لما كلف شراءه، صار ذلك كأنه وقع بإذن الغريم الذي تحمل عنه، فكأنه أسلفه الثمن فلا يرجع عليه إلا به.
ولهذا التعليل اختار بعض المتأخرين التفرقة بين أن يكون تحملا عنه بإذنه أو بغير إذنه: فإن تحمل عنه بإذنه صار كالإذن له في السلف. وإن تحمل عنه بغير إذنه لم يكن له رجوع إلا بالأقل مما اشترى، أو قيمة ما أدى عنه لأن
الغريم يقول: من حقي إذا كنت معسرا التأخير، فأنت أضررت بي في تعجيل ما يجب تأخيره، فإذا كانت القيمة الآن الأقل فلا أعطيه أكثر منها.
تم كتاب الحمالة والحمد لله.