تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسبب الخلاف فيه ما تقدمت الإشارة إليه من كون هذه معاوضة فيها غرر، لأجل أن الحميل أخرج مكيلة من الطعام، ولا يدري هل يرجع إليه مثلها، فيكون ذلك سلفا أسلفه الغريم، والسلف جائز، و (1) يكون ذلك بيعا، باع طعاما بالدين الذي على الغريم، وما يكون تارة بيعا وتارة سلفا يمنع منه، ولكن المعاملة بين الحميل ومن له الدين لا غرر فيها, لأن من له الدين أبرأ ذمة الغريم وذمة الحميل بهذا الطعام الذي وصل إليه، لكن ذلك يتضمن تخيير الغريم، وتغييره (2) يصور فيه الغرر الذي قلناه.

والعقد إذا تضمن شيئا ولزم عنه، فهل يكون ذلك كالمعقود عليه المقصود بالعقد أم لا؟ هذا سبب الإشكال الذي اقتضى الاختلاف.

وأما لو كان الصلح عن الغريم بعوض (1) إنما يلزم الغريم، إذا أمضى هذا الصلح عنه، قيمة العوض (1) الذي دفعه الحميل وهي دنانير من جنس ما عليه.

فإذا كانت قيمته مائة دينار مثل المائة التي عليه، يمكن في هذا غرر, لأنه إنما يغرم مائة دينار سواء أجاز الصلح ورده (2). وإن كانت قيمة العرض أكثر من المائة دينار أو أقل منه، فمعلوم من جهة العادة أنه لا يختار أن يدفع إلا الأقل من الأمرين: إما المائة دينار أو قيمة العرض. وهذا يرتفع معه ما صورناه من الغرر.

وعندي أن هذا الذي أطلقه أهل المذهب من الجواز للصلح على الدنانير التي على الغريم بعوض (2) إن كان ذلك يقوم بالدنانير. وأما إن قوم بالدراهم ودفع الحميل العرض على أنه لا يدري ما. يرجع إليه، إما دنانير وهي التي على الغريم، وإما دراهم، فإن المسألة قد ترجع إلى المسألة الأولى في دفع دراهم عن دنانير.

وقد حاول الشيخ أبو إسحاق تخريج خلاف في هذا فقال: قد منع في الموازية، في هبة الثواب، أن يخرج رجل عن الموهوب له عرضا، يكافىء به عن الهبة قضاء عن الموهوب له، مع كونه إنما يقضي له بقيمة أقل العرضين: إما العرض الذي هو هبة، وإما العرض الذي دفعه أيضا عن الموهوب له، وهو يعلم أيضا أن الموهوب له لا يختار إلا الأقل من القيمتين.

فكان الواجب له، على مقتضى التعليل الذي ذكرناه في صلح الكفيل، أن يجوز هذا أيضا.

وهذا الذي قاله من التخريج فيه نظر، وذلك أن الهبة للثواب، الأصل منعها, لأنها معاوضة فيها غرر، إذ لا يدري الواهب ما يعوض عنها. لكن إنما جازت قياسا على نكاح التفويض كما نص عليه أئمة المذهب فصارت كالرخصة، والرخصة فيها اختلاف: هل يقاس عليها أم لا؟ فلا يقاس هذا الرجل الثاني، المتبرع بالمكافأة عن غيره، بالموهوب له السابق، مع كون الغرر في هذا أوضح, لأن الموهوب له الغالب أنه لا يكافىء بأقل من قيمة الهبة، بل الغالب أن يكافىء بأكثر منها بما لا يدرى حقيقة مبلغه. فكأن العلة ها هنا بالعكس من علة الحميل، مع كون هذا الثاني إنما هو كمشتر حقا على غيره لا يعرف مبلغه ولا جنسه، فهو بخلاف الموهوب له الذي يقبل الهبة على أمر يضمر أنه به يكافىء.

وإذا أخذ الكفيل من الغريم سلعة على أن يؤدي عنه ما تحمل به عنه من دنانير أو دراهم فأتى من له الدين فألزم الغريم أن يعطيه دينه، فأعطاه دينه، (في أن) (1) البيع في هذه السلعة لا ينفسخ, لأن من اشترى سلعة بدنانير أو دراهم فاستحقت الدنانير أو الدراهم من يد البائغ، فإنه يرجع بمثلها على المشتري، ولا ينفسخ البيع. فكذلك ها هنا يرجع الغريم على الحميل بالدنانير التي قضاها عنه. وإذا صالح من له الدين الكفيل على الخمسين دينارا، وقد تحمل له بمائة، وقد حل الأجل، جاز ذلك وسقطت المطالبة عن الحميل بالخمسين دينارا، وبقيت المطالبة بها على الغريم.

وإذا تحمل رجلان لرجل بألف درهم فأخذ أحدهما من صاحبه مائة درهم، على أن يؤدي عنه ما توجه عليه بالحمالة، فإن ذلك لا يجوز إذا كان ذلك قبل حلول الأجل، أو كان ذلك بعد حلوله، والذي له الدين غائب, لأن قابض المائة استعجلها قبل حلول أجلها، أو بعد حلوله، والذي يستحق قبضها منه غائب، فتبقى في يديه ينتفع بها، حتى إذا حل الأجل وقدم الغائب، قام له

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٥٣