تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد قال ابن المواز في حميل جبر على قضاء الدين لعدم الغريم، فدفع عن دنانير دراهم، فإن ذلك جائز، ولكن تؤخذ الدنانير من الغريم فتصرف بدراهم، وتدفع الدراهم إلى الحميل قضاء عما دفع الحميل وأسلف. فإن تقايلا بذلك (3). وإن قصرت الدراهم التي صرفت عما دفع الحميل لم يطلب من عليه الدين بنقصها، وكان مصيبة ذلك من الحميل الذي دفع خلاف ما تحمل به. وإن كان فيه فضل رد إلى الغريم، لكون ذلك فضل بعد أن قضى الحميل جميع ما دفع.

قال ابن المواز: وقد رجع ابن القاسم عن هذا، وقال: هذا حرام بين الغريم والحميل.

فأنت ترى كيف أشار إلى ما قلناه من أن التحريم إنما ينشأ في المسألة فيما بين الغريم والحميل.

واعلم أن هذا الذي قال ابن المواز لا ينبغي أن يختلف في جوازه, لأنه لا يتصور فيه وجه من التحريم، لكون من عليه الدين لم يلزم بأكثر من دفع ما عليه، والحميل أخرج دراهم سلفا، وعاد إليه مثل سلفه. فما صورناه من وقوع في الربا، أو غرر في المعاوضة، يرتفع في هذه المسألة. وإنما يتصور فيها الخلاف إذا لم يجبر على القضاء، وأثبتنا التخيير للغريم، وأن يدفع ما عليه، أو يدفع إلى الحميل ما دفعه عنه.

فإذا تقرر حكم صلح الكفيل عن دنانير تحمل بها بدراهم يدفعها لمن له الدين، فلو كان هذا الصلح عن هذه الدنانير بمكيل أو موزون مما يقضى بمثله، وصالح بذلك بشري منه للدين الذي تحمل به، فإن هذا يعتبر فيه ما يعتبر في شراء الديون التي في الذمم، من النظر فيما يشترى به الدين، هل يجوز أن يكون ثمنا للدين أم لا, وهذا يعرف حكمه مما قدمناه في كتاب البيوع وبيناه، مما يجوز أن يكون رأس م الذي السلم، وعوضا عما أسلم فيه، من اعتبار اختلاف الأغراض إلى غير ذلك مما بيناه. ومن شرطه أيضا أن يكون الغريم الذي بيع الدين عليه حاضرا مقرا بالدين الذي عليه، لئلا يقع الغرر والتخاطر في العقد بالجهل بما يجري على الغريم في ذمته، وجواز جحوده لما عليه ..

لكن وإن كان شرط في المدونة مثل ذلك في شراء الحميل الدين الذي تحمل به، فإن الرواية في المدونة اختلفت في إثبات كونه مقرا، ففي بعضها إسقاط اشتراط كونه مقرا، وفي بعضها إثبات ذلك، كالأجنبي إذا اشترى دينا لم يتحمل به. ووجه إسقاطها أن الحميل مطلوب بغرامة الدين الذي اشتراه، فكأنه اشترى الدين الذي عليه واشترى ما لا يخشى سقوطه بخلاف الأجنبي الذي اشترى دينا لم يتحمل به، وقد أنزل الحميل منزلة الغريم حتى كأنه هو. وبهذا منعوا أن يشتري الحميل الدين المسلم فيه بدنانير هي أكثر من رأس مال

المسلم، كما يمنع من ذلك الغريم الذي عليه السلم, لأن الغريم إذا أسلم إليه مائة دينار، وأقاله من له السلم على مائة دينار وخمسين، فإن ذلك لا يجوز،

لأنهما يتهمان على أن المائة الأولى أخذها سلفا، وأظهرا أن يزيدا أكثر من السلف، وذلك حرام إذا كان بشرط، وقد حصل أمرهما في هذه الإقالة على أن المسلم أخرج مائة دينار فرجع إليه أكثر منها، فيتهمان أن يكونا جعلا تسمية ما وقع السلم فيه زورأ ومحللا لسلف جر منفعة. وهذه العلة مفقودة في الحميل إذا اشترى المسلم فيه بأكثر من رأس المال, لأنه لم يقبض شيئا فرد أكثر منه فهو في هذا كالأجنبى تولى سلما في عروض بأكثر من رأس مالها, لكنهم منعوا ذلك في الحميل، وإن فقدت فيه هذه العلة، لكونه أحل نفسه محل الغريم، فكما منع ذلك في الغريم منع فيمن حل محله وهو الحميل، لا سيما إذا قلنا بإحدى الطريقتين: إن حماية الذرائع قد يتصور أن يكون للحماية حماية.

هذا إذا اشترى الحميل هذه الدنانير يمكيل أو موزون لنفسه. وأما إن اشتراها للغريم حتى يكون الغريم بالخيار إن شاء أمضى على نفسه ما فعله الحميل من المعاوضة على الدنانير التي عليه بمكيل أو موزون، فيغرم للحميل مثل ما دفع عنه، وإن شاء لم يجز فعله، ولم يغرم سوى الدنانير التي عليه، فإن هذا اختلف فيه القول في المدونة: ففي كتاب الحمالة جواز ذلك، وفي كتاب السلم منعه.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٥٢