تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شيء. فأشار إلى قدح في هذا الجواب.

وصرح بعض المتأخرين بما أشار إليه ابن المواز فقال: تسقط الحمالة عن هذا الحميل إذا حالل من له الدين الميت, لأن معنى التحليل ها هنا إسقاط الدين على كل، سقطت (1) الحمالة بما سقط, لأنها فرع عن ثبوت الدين في الذمة، فإذا بطل الأصل بطل الفرع.

وهذا الذي أشار إليه ابن المواز من القدح، وصرح به بعض المتأخرين، يسبق إلى النفس صحته، وأنه لا وجه لما وقع في الرواية. لكن عندي المخرج من هذا أن الناس يعتقدون أن من له الدين يطالب به من له عليه في الآخرة، ويؤكد اعتقادهم هذا قوله عليه السلام: "نفس المؤمن مرتهنة بدينه حتى يقضى عنه" (2) فأشار إلى أحكام الآخرة، وأن من مات وعليه دين كان الأمر فيه هكذا، وامتنع من الصلاة عليه حتى يقضى دينه، كما تقدم ذكر هذا الحديث وما يتعلق به من مسائل الخلاف مبسوطا.

فإذا تقرر هذا وأمكن أن يريد من له الدين لما سئل في أن يحلل الميت الذي عليه الدين أن يؤيد بتحليله أن لا مطالبة عليه في الآخرة، وأسقط إثم المطل عنه إن كان مطله. وهذا مما يختص بالغريم الذي قد صار إلى الآخرة دون الحميل الذي هو حي، ويقضى عليه في الدنيا بأحكام المعاملة، حلف من له الدين أنه لم يرد إلا أحد الوجهين وهو التباعة في الآخرة دون الدنيا، وبقي الحميل مطلوبا بما تحمل به، فلا يسقط عنه بالشك والاحتمال أمر قد كان وجب عليه بيقين.

والجواب عن السؤال التاسع عشر (3) أن يقال:

إذا تحمل رجل لرجلين بدينين لا شركة بينهما فيه، فقضى أحدهما، فلا مدخل للغريم الآخر معه، إذا كان الغريم مليئا بجميع الدينين (1).

وإن قضى أحد الغرماء وقد أحاط الدين نجماله، فقد قدمنا اختلاف قول مالك.

وتأول بعض الأشياخ أن هذا الاختلاف إذا قضى جزءا من ماله، ويبقى (2) في يده جزء، بخلاف أن يقضي جميع ما في يديه لغريم، ويبقى فقيرا.

وأما إن كان الدين مشتركا بين رجلين فاقتضى أحدهما دون الآخر، فهل لصاحبه أن يشاركه فيما اقتضى؟ تقدم بيان ذلك مبسوطا في كتاب البيوع، وأن المشهور من المذهب مشاركة من لم يقبض لمن اقتضى، على تفصيل في صفة المشاركة، تقدم أيضا بيانه، وأن هذا إذا كان اقتضى أحد الشريكين دون استئذان صاحبه وإعلامه. وأما إذا رفع أمره إلى السلطان فأمر شريكه بالاقتضاء معه،

فلم يفعل، فإنه لا يشاركه، ويصير ذلك كحكم القاضي بينهما بالقسمة لهذا الدين، وتمييز أحدهما من الآخر.

وذكر في المدونة أن الإشهاد على شريكه بأنه امتنع من الاقتضاء معه ينوب مناب الرفع إلى القاضي. وتعقبه بعض الأشياخ وأشار إلى أنه يمكن أن يكون المراد: الرفع إلى القاضي يتعذر، فقام الإشهاد مقامه للضرورة إلى ذلك. وهذا كله قد مضى مبسوطا. لكن ذكر في المدونة في هذا الكتاب أن الحميل إذا تحمل بدين مشترك بين رجلين، فأتى أحدهما فدفع إليه الحميل ما ينوبه من الدين، والحميل موسر، في يديه ما يقضي منه الشريك الآخر الذي لم يقبض لغيبته، فإن القضاء صحيح جائز. وإنما يبقى النظر في مشاركة الغائب إذا قدم من اقتضاء (3) وهذا الخلاف الذي أشار إليه إذا لم يرفع المقتضي أمره إلى القاضي، فإن رفع الأمر إليه، والحميل موسر بجميع دين الشريكين، فإن

القاضي يقضي لهذا الدافع إليه بجميع حقه، ولا يتعرض لحق الغائب بل يبقيه في الذمة على حسب ما كان.

وأما إذا لم يكن في يد الحميل إلا نصف الدين الذي عليه فإن القاضي إذا قضى لهذا الحاضر بحقه عليه كان قضاؤه باطلا، والدفع إلى أحد الغريمين فاسد. فلم يختلف المذهب ها هنا بأن الشريك القديم يشارك الشريك الحاضر فيما اقتضى. فإذا كان جميع الدين مائة دينار، وهي بين الحاضر المقتضي والغائب نصفان، فرفع الأمر إلى القاضي، فلم يجد في يد الغريم سوى خمسين دينارا، فقضى بجميعها للشريك الحاضر لأنها منتهى جميع دينه، فإن الشريك الغائب إذا قدم يقاسم المقتضي للخمسين , التي أخذ، نصفين، لكون قضية القاضي له بجميع الخمسين خطأ وغلطا يجب أن ينقض الحكم فيه. ولو وقع الغلط في مقدار ما ينوب في المحاصة، مثل أن يكون الدين مائه (1) دينار، وهي بين الشريكين نصفين، ولم يوجد في يد الحميل سوى خمسين دينارا، فقضى له القاضي بجميعها، فإن الغلط ها هنا إنما وقع في أن زاده عشرة دنانير على ما ينويه في المحاصة، فإن من الأشياخ من ذهب إلى أنه يمضي له القاضي بأربعين دينارا، وهي التي تنوبه في المحاصة ولم يقع فيها غلط في الحكم فلا مشاركة فيها وإنما الغلط في زيادة عشرة دنانير وهي التي ترد إلى الشريك الغائب.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٤٩