والجواب عن السؤال الثامن عشر (2) أن يقال:
إذا حل الدين فأخر من له الدين غريمه الذي عليه الدين، فلا يخلو أن يكون الغريم عند التأخر (3) معسرا أو موسرا.
فإن كان الغريم معسرا لم يكن ذلك إسقاطا لحمالة الحميل الذي تحمل بالدين, لأنه أخر به من لم يجب له عليه بعسره وهو الغريم، وقد وجب له أخذ الدين من الحميل فلا يكون عدوله عن طلب ما لا يفيده طلبه وهو الحميل
الموسر. وأما إن كان الغريم حين التأخير موسرا، فهل يكون تأخيره إسقاطا لحمالة الحميل أم لا؟ في هذا قولان: فذهب اين القاسم في المدونة أن ذلك لا يكون إسقاطا لحمالة الحميل. وقال غيره: بل هو إسقاط لحمالة الحميل ..
واعلم أن هذا الاختلاف إنما هو راجع إلى اختلاف في شهادة العوائد وما تقتضيه. فلو نص من له الدين حين تأخير الغريم على أنه أسقط الحمالة عن الحميل لم يكن له رجوع عن ذلك.
ولو نصر على أنه بتأخير الغريم غير مسقط لحمالة الحميل لم تسقط الحمالة مع اشتراطه ما اشترط.
فإذا لم ينص عن هذا ولا عن هذا، وإنما أخر الغريم تأخيرا مجردا، فذلك عند ابن القاسم أمر محتمل للقسمين جميعا، فلا يسقط حقه في الحمالة مع الشك. ورأى الغير أن ذلك في العادة إنما يكون مع إسقاط الحمالة لكونه قدر على أخذ دينه من الغريم فأخذه (1)، وقد علم أن ذلك مما يضر بالحميل، لجواز أن يفلس الغريم قبل حلول الأجل الثاني فيطلب الحميل بالغرامة، وقد كانت ساقطة عنه على أحد القولين، أوله بها مرجع فدل ذلك على أنه قصد بتأخير الغريم رفع هذا الغرر عن الغريم.
ومن أشياخي من تأول هذا الخلاف على أن الغريم لم تتغير حالته، بل كان موسرا يوم تأخيره، وموسرا عند الأجل الثاني عند استحقاق الطلب.
وأما لو كان موسرا عند التأخير ثم أفلس، فإنه يبعد الخلاف في ذلك، لأنه كمتلف ماله بنفسه فلا مطالبة له عن الحميل.
وعلى الطريقة الأولى التي عللت بها وهي طريقة بعض أشياخي أيضا لا يفتقر إلى هذا التأويل الذي ذكرته عن بعضهم. وهذا إذا لم يعلم الحميل بالتأجيل فرضيه.
وأما لو علم به فأنكره لكان من حقه ذلك ويقال للمتحمل له: إما أن تسقط الحمالة فيصح لك التأخير. وإما أن تتمسك بها فلا يمكن من التأخير لحق الحميل ونفي الضرر عنه بالتأخير ولو لم يعلم الحميل بالتأخير حتى حل الأجل الثاني لم تسقط الحمالة عنه، ولكنه يحلف عند ابن القاسم: أنه ما كان ذلك منه رضي بإسقاط الحمالة، إذا أنكر ذلك الحميل بعذر التأخير. وأوجب اليمين عليه أشهب: أنه لم يقصد بتأخير الغريم إسقاط الحمالة. وهذه يمين تهمة فإذا قويت التهمة قوي الاستحلاف، وإذا ضعفت ضعف الاستحلاف. وأما إن أخر الحميل فليس ذلك بتأخير للغريم, لأنه لو أسقط عنه الحمالة بالكلية لبم يسقط الدين على الغريم.
فكذلك إذا أخر عن الكفيل الطلب لم يكن ذلك تأخيرا للغريم لأنه يتصور ها هنا إلى الرفق بالحميل والإحسان إليه بالتأخير لما أحسن هو بتحمل ما لا يلزمه، لكنه يحلف أيضا: لم يرد بتأخير الكفيل تأخير الغريم. فإن نكل عن هذه اليمين لزمه تأخير الغريم أيضا، بناء على الأصل في أيمان التهم: أن النكول عنها يوجب غرامة ما نكل عنه. وقد وقع لمالك ما يشبه ما نحن فيه: في رجل عليه دينان لرجل، أحد الدينين بحميل والآخر بغير حميل، فمات الذي عليه الدين، وترك ما لا يفي بالدينين، فإن الذي ترك يقسم بين الدينين، ويطلب الحميل بما بقي عليه من الدين الذي تحمل به بعد ما أخذ من التركة ما أسقط عنه بعض ما تحمل به. فسأل بعض الورثة من له الدين أن (يحال إلى) (1) الميت مما بقي عليه من الدين، ففعل، فإن ذلك ليس بإسقاط عن الحميل ما بقي من الحمالة، بعد أن يحلف أنه لم يرد بما فعل إسقاط الحمالة. وهكذا حكى ابن المواز أيضا عن أشهب عن مالك في ورثة سألوا من له الدين أن يحالل الممت بما عليه، أن ذلك لا يكون إسقاطا للحمالة عن الحميل بهذا الدين، إذا حلف من له الدين أنه لم يرد إسقاط الحمالة، قال ابن المواز في هذا. وفي موضع آخر قال: في هذا