ومنهم من ذهب إلى أن المشاركة تقع في جميع الخمسين دينارا وكأن الغلط لما وقع في (2) سرى ذلك إلى كلها لأنها قضية واحدة , فإذا ظهر الغلط فيها وجب نقض الحكم غير ملتفت فيه إلى ما كان منه صوابا, لأن الصواب لم يقصد إليه، فكأنه لم يقع الحكم به.
واحتج هؤلاء بما قيل في القاسم إذا غلط أن حكمة ينقض.
وتأول الآخرون هذه الرواية على أن المراد غلطه فيما تختلف فيه
الأغراض كالرباع وغيرها، وتختلف أجناسه، وأما الدنانير فجنس واحد فغلطه في بعضها لا يسري إلى ما أصاب فيه منها, لكونها لا تختلف فيها الأغراض، ولا يمكن ذلك في الرباع التي تختلف فيها الأغراض, لأن الغلط (1) بعضها يصير ما بقي مغلوطا فيه لاختلاف الأغراض فيه.
وأما لو قضى القاضي لهذا الحاضر الدافع إليه بمقدار نصيبه في المحاصة، ووقف نصيب الغائب، فإن هذه القضية ماضية، ولا مشاركة للغائب، إذا قدم، فيها (2) قبفحه الحاضر من الحميل، لكون ما وقفه القاضي كأنه قبضه، ومصيبته منه.
وأما إن لم يوقف القاضي نصيب الغائب، ولا بقاءه (3) في ذمة الحميل، وليس عند الحميل سواه، فإن ظاهر كلام ابن القاسم أن ما أخذه الحاضر بحكم هذه القسمة يمضي له ولا يشاركه فيه. وعلى هذا تأول يحيى قول ابن القاسم في المدونة: إن القاضي فعل ذلك ولم ينتزع من يد الحميل نصيب الغائب. وقال غير ابن القاسم في المدونة: بل هذه القضية خطأ تنقض كما لو قضى للحاضر بحقه كله. واعتذر الشيخ أبو محمد (4) بن القاسم بأن القاضي لم يقصد سوى التمسمة بين الشريكين فمضى للحاضر ما قسم له، لكون ذلك هو المقصود بالقضاء، ولم يرد ذلك لأجل غلطه على الغائب. واعترض هذا بأنه يجري مجرى التفليس للغريم، فيجب ألا يبقى في يديه من غاب، فلو لم يكن ذلك كالتفليس على هذا التعليل لاقتضاء هذا أنه لو قبض الحاصر نصيبه كله لمضى ذلك كله له، لكون من أحاط الدين بماله له أن يقضي غريما دون غريم.
وبالجملة فإن في كلام ابن القاسم احتمالا، وإنما يلتفت في هذا إلى كون هذا كالتفليس فتجري فيه أحكام التفليس، أو لا يكون كالتفليس فتجري فيه أحكام
المديان لقوم من الغرماء دون قوم.
والجواب عن السؤال العشرون (1) أن يقال (2):
قد تقرر أن من له دين على غريم وأخذ به حميلا فإن دينه متردد بين ذمتين، فإذا دفع الغريم أو الحميل فلا خفاء في جواز ذلك. وأن غير ما عليه تغييرا في الصفة أو تغييرا في النوع (3) في الجنس فإن ذلك إذا كان من (4) عليه الدين فقد مضى ذلك في كتاب البيوع، بتنا فيها ما تجوز المعاوضة به وما لا
تجوز، دينا كان أو غيره.
وإن كان ذلك من الحميل فشرى لنفسه ليملك بما دفع من الدين الذي على الغريم، وتبرأ ذمة نفسه منه، فإن ذلك أيضا أصوله مفردة في كتاب البيوع، فيلتفت في ذلك إلى كون ما يفعله الغريم من تغيير الصفة والجنس في قضاء الدين قد عري من الوجوه الممنوعة، المذكورة فيما تقدم في شراء الديون والسلم فيها.
وإن كان يقضي ذلك عن الغريم لا ليملك ما عليه، فهاهنا أيضا تفاصيل جملتها ترجع إلى ما قدمناه من الممنوعات في المعاوضات من غرر أو وقوع في وعلى هذه الأصول يعرض صلح الكفيل لمن له الدين عن نفسه أو عن الغريم، وبيان هذا، على التفاصيل في صلح الكفيل، أنه لو تكفل بمائة دينار عن رجل مؤجلة عليه، فأراد، قبل الأجل، الكفيل أن يصالح من له الدين
بخمسين دينارا، فإن ذلك لا يجوز على الإطلاق، كان الدين سلعة أو قرضا، لأنه يقع في "ضع وتعجل" إن صالح عن الغريم. وإن صالح عن نفسه وقع في سلف بزيادة، أسلف من له الدين خمسين ليأخذ من الغريم إذا حل الأجل مائة.
وإن كان الأجل قد حصل (1)، فصالح عن دنانير طيبة بدنانير أدنى منها، فإن ذلك جائز إن كان صالح عن الغريم، وذلك للعلم بأن العادة جرت بأن الغريم متى قدر أن يدفع أقل مما عليه فلا يدفع أكثر منه، فيصير الكفيل إذا صالح عن دنانير طيبة يدنانير ونهى (2) يعلم من مقتضى العادة أن الغريم لا يدفع إليه إلا دنانير دنية مثل ما دفع هو لمن له الدين. ولأن دفع الحميل دنانير طيبة عن دنانير دنيئة في ذمة الغريم فذلك منه مكارمة لمن له الدين وهو يعلم أن الغريم لا يلزمه أن يتطوع بأجود مما عليه، فإنما يدفع إليه الدنانير التي عليه فلا يكون في هذا وقوع في ربا ولا في غرر، فلهذا جاز ذلك. لكنه لم يطرد الأصل في المدونة في هذا الذي قلناه في الكفيل بطعام جيد حل أجله، وهو من سلم، فإنه منع الكفيل أن يصالح من له الدين إذا حل الأجل بطعام أجود مما تحمل به، أو طعام أدنى منه، وإن فعل ذلك قضى (3) عن الغريم لا يشتريه لنفسه. وعلل ذلك بأن ذلك بيع للطعام قبل قبضه، لأجل ما يكون لمن عليه الدين من الخيار في أن يدفع مثل ما دفعه الكفيل لمن له الدين، أو يدفع خلاف ذلك، وهو الدين الذي عليه، فيصير من له الدين كبائع الطعام قبل قبضه.