فإن لم يحلف ونكل عن اليمين، أو كان معسرأوحلف، فهاهنا ينتقل الحكم في النظر فيما بين الطالب وبين الحميل، فيكون القول قول الحميل فيما تحمل به، فمن حق الطالب أن يحلفه عن بقية ما قصرت عنه الألف درهم إذا أشترى بها دنانير فلم تبلغ الخمسين دينارا التي أدعاها الطالب، ومن حق الحميل أن يحفف الغريم أيضا إذا قصر (عن ما أخرجه عن ما أداه الطالب) (3). والغرض من هذا أنه متى قدر على رقع الأيمان وتقليلها برىء من ذلك متى قدر عليه، كما تقدم في كتاب الدعاوي والأيمان.
ومما يلحق باختلاف الحميل والمتحمل له: رجل تحمل لرجل بدنانير له على رجلين، فأتاه بأحد الدينين ليقضيه عن أحد الغريمين، فقال المتحمل له: لا أقبضه إلا على الغريم الآخر، فقال في الموازية: القول قول المتحمل له، إلا أن يكون المطلوب مخوفا (4) فيكون الذي أتى به الحميل مقسوما. ولم يبين عن ما مراده بقوله: المطلوب، هل أراد به الحميل أو أراد به أحد الغريمين؟ ولا
بين أيضا هل الحميل موسر بالدينين جميعا، أو ليس هو موسرا إلا بأحد الدينين الذي للمتحمل له. قد حمل بعض الأشياخ على ابن المواز مراده بالمطلوب أحد
الغريمين، وأن مراده أيضا كون الحميل غير موسر إلا بأحد الدينين: فأما تأويله أن المراد أنه غير موسر إلا بأحد الدينين فإن الحميل إذا كان موسرا بالدينين جميعا، والغريمان معسران، لم يكن لاختلافهما عمن يكون القضاء فائدة, لأنه إذا قبضه (1) المتحمل له عن الغريم الذي قال: لا أقبض منك إلا عنه، طلبه بالقضاء عن الآخر. وإن كان الغريمان موسرين، فكذلك أيضا، إذا قلنا بأحد قولي مالك أن له طلب الحميل مع يسر الغريم. فيصح ها هنا أيضا أن القول قول من له الدين: إني لا أطلبك إلا عمن شئت أنا دون من شئت أنت.
وكذلك إذا كان أحدهما موسرا والآخر معسرا وقلنا: له مطالبة الحميل بالقضاء عن الموسر، صار في حقه كأنهما معسران. وإن قلنا: ليس له مطالبته فمن دعا منهما إلى كون القضاء عن المعسر، قبل ذلك منه. وبالجملة فإن الذي له الدين يجب أن يكون هو المبدأ في قبول القول لأنه حق له يطلبه ممن شاء.
لكن إن ظهر غرض وفائدة في اختلافهما فيمن يقضى عنه من الغريمين فكأن لمن له الدين فائدة فيمن اقترح أن يكون القضاء عنه، وللحميل فائدة فيمن اقترح أن يكون القضاء عنه، كان العدل بينهما قسمة المال بين الغريمين كما يقسم الم الذي التفليس بين الغرماء.
وإذا اشترى الغريمان في الزمن الذي ينتظر يسيرهما إليه لم تظهر فائدة أيضا للحميل فيما دعي (2) إليه. لكن إذا ادعى (3) إلى كون القضاء عن أقربهما يسرأ، فقد يكون له في ذلك غرض أن يصرف له الآن مما في يديه مقدار ما يترك للمفلس من الإنفاق على استبعاد هذا الغرض.
ومما يلحق بهذا أيضا: إذا غاب الغريم فقضى الحميل عنه الدين بعد حلول أجله، ثم قدم الغريم فأثبت ببينة أنه كان قضاه أيضا قبل سفره فإن رجوع
الحميل ها هنا بما قضاه إنما يجب له على من قضاه له، وهو المتحمل له، لا على من فضاه عنه, لأن دفع الحميل يعد قضاء الغريم خطأ منه على نفسه، وأداء ما لا يلزمه أداؤه، ولا تكون له مطالبة على الغريم لأنه أدى عنه ما لا يلزمه، وقد سقط بأداء الغريم له. وإن ثبت الحميل دفع (1) بعد حلول الأجل، قبل أن يدفع الغريم كان له الرجوع بما دفع على الغريم، لكونه دفع عنه مالا يلزمه، والغريم هو الذي غلط على نفسه فدفع ما لا يلزمه.
وأما إن علم بالدفع منهما وجهلت التواريخ لم يجب للحميل رجوع على الغريم مع الشك في كونه يستحق الرجوع عليه أو لا يستحق، إلا أن يكون دفعه بقضية من سلطان فيرجع على الغريم.
وهذا الذي ذكره في الرواية من كونه يرجع على الغريم مع الشك إذا كان الدفع بقضية من السلطان لا يتضح وجهه إلا أن يكون قدر أن السلطان، لما قضى عليه بالدفع لمن له الدين، تضمنت قضيته هذه أنه قضى له بالرجوع عن الغريم، فلا تنتقض قضية السلطان بالشك، بخلاف إذا لم تكن هناك قضية وإنما تطوع الغريم بالدفع.